ابن أبي الحديد
14
شرح نهج البلاغة
اتهمت نفسك للناس ، اتهم الناس أنفسهم لك ، ولو أنك نزلت مما رقيت وارتقوا مما نزلوا ، فأخذت منهم وأخذوا منك ، ما كان بذلك بأس . قال عثمان : فذلك إليك يا خال ، وأنت بيني وبينهم . قال : أفأذكر لهم ذلك عنك ؟ قال : نعم ، وانصرف ، فما لبثنا أن قيل : هذا أمير المؤمنين قد رجع بالباب ، قال أبى : ائذنوا له ، فدخل فقام قائما ، ولم يجلس ، وقال : لا تعجل يا خال حتى أؤذنك ، فنظرنا فإذا مروان بن الحكم كان جالسا بالباب ينتظره حتى خرج فهو ، الذي ثناه عن رأيه الأول ، فأقبل على أبى ، وقال يا بنى ، ما إلى هذا من أمره شئ ، ثم قال : يا بنى ، أملك عليك لسانك حتى ترى ما لا بد منه ، ثم رفع يديه ، فقال : اللهم أسبق بي ما لا خير لي في إدراكه . فما مرت جمعة حتى مات رحمه الله . * * * وروى أبو العباس المبرد في " الكامل " عن قنبر مولى علي عليه السلام قال ، دخلت مع علي على عثمان ، فأحبا الخلوة ، فأومأ إلى علي عليه السلام بالتنحي ، فتنحيت غير بعيد ، فجعل عثمان يعاتبه وعلى مطرق ، فأقبل عليه عثمان ، وقال : مالك لا تقول ! قال : إن قلت لم أقل إلا ما تكره ، وليس لك عندي إلا ما تحب . قال أبو العباس : تأويل ذلك : إن قلت اعتددت عليك بمثل ما اعتددت به على ، فلذعك عتابي ، وعقدي ألا أفعل - وإن كنت عاتبا - إلا ما تحب ( 1 ) . وعندي فيه تأويل آخر ، وهو : إني إن قلت واعتذرت فأي شئ حسنته من الاعذار لم يكن ذلك عندك مصدقا ، ولم يكن إلا مكروها غير مقبول ، والله تعالى يعلم أنه ليس لك عندي في باطني وما أطوى عليه جوانحي إلا ما تحب ، وإن كنت لا تقبل المعاذير التي أذكرها ، بل تكرهها وتنبو نفسك عنها . * * *
--> ( 1 ) الكامل 1 : 13 .