ابن أبي الحديد
119
شرح نهج البلاغة
ليس في الاخبار والآثار ما يدل على الوقت الذي يقتل فيه بعينه ، ولا على المكان الذي يقتل فيه بعينه ! وأما ابن ملجم ، فمن الجائز أن يكون علم أنه هو الذي يقتله ، ولم يعلم علما محققا أن هذه الضربة تزهق نفسه الشريفة منها ، بل قد كان يجوز أن يبل ويفيق منها ، ثم يكون قتله فيما بعد على يد ابن ملجم ، وإن طال الأمد . وليس هذا بمستحيل ، وقد وقع مثله ، فإن عبد الملك جرح عمرو بن سعيد الأشدق في أيام معاوية على منافرة كانت بينهما فعفا عمرو عنه ، ثم كان من القضاء والقدر أن عبد الملك قتل عمرا أيضا بيده ذبحا ، كما تذبح الشاة . وأما قوله في البط : " دعوهن فإنهن نوائح " فلعله علم أنه تلك الليلة يصاب ويجرح ، وإن لم يعلم أنه يموت منه ، والنوائح قد ينحن على المقتول وقد ينحن على المجروح ، والمنام والدعاء لا يدل على العلم بالوقت بعينه ، ولا يدل على أن إجابة دعائه تكون على الفور لا محالة . * * * ثم نعود إلى الشرح . أما قوله : " كل امرئ لاق ما يفر منه في فراره " ، أي إذا كان مقدورا ، وإلا فقد رأينا من يفر من الشئ ويسلم ، لأنه لم يقدر ، وهذا من قوله تعالى : " ولو كنتم في بروج مشيدة ) ( 1 ) ، ( لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ) ( 2 ) ومن قوله تعالى : ( قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ) ( 3 ) ، وفى القرآن العزيز مثل هذا كثير . قوله : " والأجل مساق النفس " أي الامر الذي تساق إليه ، وتنتهي عنده ، وتقف إذا بلغته فلا يبقى له حينئذ أكله في الدنيا .
--> ( 1 ) سورة النساء 78 . ( 2 ) سورة آل عمران 154 . ( 3 ) سورة الجمعة 8 .