ابن أبي الحديد
116
شرح نهج البلاغة
( 149 ) الأصل : ومن كلام له عليه السلام قبل موته : أيها الناس ، كل امرئ لاق ما يفر منه في فراره . الاجل مساق النفس ، والهرب منه موافاته . كم أطردت الأيام أبحثها عن مكنون هذا الامر ، فأبى الله إلا إخفاءه . هيهات ! علم مخزون . أما وصيتي فالله لا تشركوا به شيئا ، ومحمدا صلى الله عليه وسلم فلا تضيعوا سنته ، أقيموا هذين العمودين ، وأوقدوا هذين المصباحين ، وخلاكم ذم ما لم تشردوا . حمل كل امرئ منكم مجهوده ، وخفف عن الجهلة ، رب رحيم ، ودين قويم ، وإمام عليم . أنا بالأمس صاحبكم ، وأنا اليوم عبرة لكم ، وغدا مفارقكم ! غفر الله لي ولكم ! إن ثبتت الوطأة في هذه المزلة فذاك ، وإن تدحض القدم ، فإنا كنا في أفياء أغصان ، ومهب رياح ، وتحت ظل غمام . اضمحل في الجو متلفقها ، وعفا في الأرض مخطها ، وإنما كنت جارا جاوركم بدني أياما ، وستعقبون منى جثة خلاء ، ساكنة بعد حراك ، وصامتة بعد نطق . ليعظكم هدوي ، وخفوت إطراقي ، وسكون أطرافي ة فإنه أوعظ للمعتبرين من المنطق البليغ ، والقول المسموع .