ابن أبي الحديد
110
شرح نهج البلاغة
جوارحها إليها حتى يدخل عليها فيربطها ، يقول : لا أكون مقرا بالضيم راغنا ( 1 ) ، أسمع الناعي المخبر عن قتل عسكر الجمل لحكيم بن جبلة وأتباعه ، فلا يكون عندي من التغيير والانكار لذلك ، إلا أن أسمعه وأحضر الباكين على قتلاهم . وقوله : " لكل ضلة علة ، ولكل ناكث شبهة " ، هو جواب سؤال مقدر ، كأنه يقول : إن قيل : لأي سبب خرج هؤلاء ؟ فإنه لابد أن يكون لهم تأويل في خروجهم ، وقد قيل : إنهم يطلبون بدم عثمان ، فهو عليه السلام قال : كل ضلالة فلا بد لها من علة اقتضتها ، وكل ناكث فلا بد له من شبهة يستند إليها . وقوله : " لينتزعن هذا نفس هذا " قول صحيح لا ريب فيه ، لان الرياسة لا يمكن أن يدبرها اثنان معا ، فلو صح لهما ما أراداه لوثب حدهما على الاخر فقتله ، فإن الملك عقيم ، وقد ذكر أرباب السيرة أن الرجلين اختلفا من قبل وقوع الحرب ، فإنهما اختلفا في الصلاة ، فأقامت عائشة محمد بن طلحة وعبد الله بن الزبير ، يصلى هذا يوما ، وهذا يوما ، إلى أن تنقضي الحرب . ثم إن عبد الله بن الزبير ادعى أن عثمان نص عليه بالخلافة يوم الدار ، واحتج في ذلك بأنه استخلفه على الصلاة ، واحتج تارة أخرى بنص صريح زعمه وادعاه ، وطلب طلحة من عائشة أن يسلم الناس عليه بالإمرة ، وأدلى إليها بالتيمية ، وأدلى الزبير إليها بأسماء أختها ، فأمرت الناس أن يسلموا عليهما معا بالإمرة . واختلفا في تولى القتال ، فطلبه كل منهما أولا ، ثم نكل كل منهما عنه وتفادى ( 2 ) منه . وقد ذكرنا في الاجزاء المتقدمة قطعة صالحة من أخبار الجمل .
--> ( 1 ) يقال : رغن إليه ، إذا أصغى . ( 2 ) تفادى منه : تحاماه .