ابن أبي الحديد

100

شرح نهج البلاغة

بمن معك ومن عندك ، قل في نفسك ما تكاثر من عدد القوم ، وكنت أعز عزا وأكثر ، إنك لا تستبقي من نفسك بعد اليوم ( 1 ) باقية ، ولا تمتع من الدنيا بعزيز ، ولا تكون منها في حرز حريز . إن هذا اليوم له ما بعده ، فاشهد بنفسك ورأيك وأعوانك ، ولا تغب عنه . قال أبو جعفر : وقام طلحة ، فقال : أما بعد يا أمير المؤمنين ، فقد أحكمتك الأمور ، وعجمتك البلايا ، وحنكتك ( 2 ) التجارب ، وأنت وشأنك ، وأنت ورأيك ، لا ننبو في يديك ، ولا نكل أمرنا إلا إليك ، فأمرنا نجب ، وادعنا نطع ، واحملنا نركب ، وقدنا ننقد ، فإنك ولى هذا الامر ، وقد بلوت وجربت واختبرت ، فلم ينكشف شئ من عواقب الأمور لك إلا عن خيار . فقال علي بن أبي طالب عليه السلام : أما بعد ، فإن هذا الامر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة ، إنما هو دين الله الذي أظهره ، وجنده الذي أعزه وأمده بالملائكة ، حتى بلغ ما بلغ ، فنحن على موعود من الله ، والله منجز وعده ، وناصر جنده ، وإن مكانك منهم مكان النظام من الخرز ، يجمعه ويمسكه ، فأن انحل تفرق ما فيه وذهب ، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا ، والعرب اليوم وإن كانوا قليلا ، فإنهم كثير عزيز بالاسلام ، أقم مكانك ، واكتب إلى أهل الكوفة ، فإنهم أعلام العرب ورؤساؤهم ، وليشخص منهم الثلثان ، وليقم الثلث ، واكتب إلى أهل البصرة أن يمدوهم ببعض من عندهم ، ولا تشخص الشام ولا اليمن ، إنك إن أشخصت أهل الشام من شامهم ، سارت الروم إلى ذراريهم ، وإن أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة إلى ذراريهم ، ومتى شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أقطارها وأطرافها ، حتى يكون ما تدع وراءك أهم إليك مما بين يديك من العورات والعيالات . إن الأعاجم إن ينظروا

--> ( 1 ) الطبري : " العرب " . ( 2 ) الطبري : " واحتنكتك " .