ابن أبي الحديد
85
شرح نهج البلاغة
فارس من أهل الشام إلا قيل قتله الأنصار ، أما والله لألقينهم بحدي وحديدي ، ولأعبين لكل فارس منهم فارسا ينشب في حلقه ، ولأرمينهم بأعدادهم من قريش رجال لم يغذهم التمر والطفيشل ( 1 ) ، يقولون : نحن الأنصار قد والله آووا ونصروا ، ولكن أفسدوا حقهم بباطلهم ! فغضب النعمان ، وقال : يا معاوية لا تلومن الأنصار في حب الحرب والسرعة ( 2 ) نحوها فإنهم كذلك كانوا في الجاهلية . وأما دعاؤهم إلى النزال ( 3 ) فقد رأيتهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله يفعلون ذلك كثيرا . وأما لقاؤك إياهم في أعدادهم من قريش فقد علمت ما لقيت قريش منهم قديما ، فإن أحببت أن ترى فيهم مثل ذلك آنفا فافعل . وأما التمر والطفيشل ، فإن التمر كان لنا فلما ( 4 ) ذقتموه شاركتمونا فيه . وأما الطفيشل ، فكان لليهود ، فلما أكلناه غلبناهم عليه ، كما غلبت قريش على السخينة ( 5 ) . ثم تكلم مسلمة بن مخلد ، فقال : يا معاوية ، إن الأنصار لا تعاب أحسابها ولا نجداتها . وأما غمهم إياك فقد والله غمونا ، ولو رضينا ما فارقونا ولا فارقنا جماعتهم ، وإن في ذلك ما فيه من مباينة العشيرة ، ولكنا حملنا ذلك لك ، ورجونا منك عوضه . وأما التمر والطفيشل ، فإنهما يجران عليك السخينة والخرنوب . قال : وانتهى هذا الكلام إلى الأنصار ، فجمع قيس بن سعد الأنصار ، ثم قام فيهم خطيبا فقال إن معاوية قال ما بلغكم ، وأجابه عنكم صاحباكم ، ولعمري إن غظتم
--> ( 1 ) الطفيشل ، بوزن سميدع ، ذكره صاحب . القاموس وقال : إنه نوع من المرق . ( 2 ) صفين : " بسرعتهم في الحرب " . ( 3 ) صفين : " فأما دعاؤهم الله " . ( 4 ) صفين : " فلما أن ذقتموه " . ( 5 ) في اللسان : " السخينة : دقيق يلقى على ماء أو لبن فيطبخ ثم يؤكل بتمر أو يحسى ، وهو الحساء . . . وفى حديث معاوية أنه مازح الأحنف بن قيس فقال : ما الشئ الملفف في البجاد ؟ قال : هو السخينة يا أمير المؤمنين . والملف في البجاد وطب اللبن يلف فيه ليحمي ويدرك ، وكانت تميم تعير به ، . والسخينة : الحساء المذكور يؤكل في الجدب ، وكانت قريش تعير بها " .