ابن أبي الحديد

71

شرح نهج البلاغة

فطاعن عمرا حتى رجع ، وأنصرف الفريقان بعد شدة القتال ، ولم يسر معاوية ذلك ، وغدا بسر بن أبي أرطاة في اليوم الثالث في حماة الخيل ، فلقى قيس بن سعد ابن عبادة في كماة الأنصار ، فاشتدت الحرب بينهما ، وبرز قيس كأنه فنيق مقرم ، وهو يقول : أنا ابن سعد زانه عباده * والخزرجيون كماة ساده ليس فراري في الوغى بعاده * إن الفرار للفتى قلادة يا رب أنت لقني الشهادة * فالقتل خير من عناق غاده * حتى متى تثنى لي الوسادة * وطاعن خيل بسر ، وبرز بسر فارتجز وقال : أنا ابن أرطاة العظيم القدر * مردد في غالب وفهر ليس الفرار من طباع بسر * إن أرجع اليوم بغير وتر وقد قضيت في العدو نذري * يا ليت شعري كم بقي من عمري ! ويطعن بسر قيسا ، ويضربه قيس بالسيف ، فرده على عقبيه ، ورجع القوم جميعا ، ولقيس الفضل وتقدم عبيد الله بن عمر بن الخطاب في اليوم الرابع ، لم يترك فارسا مذكورا إلا جمعه ، واستكثر ما استطاع ، فقال له معاوية : إنك اليوم تلقى أفعى أهل العراق ، فارفق واتئد ، فلقيه الأشتر أمام الخيل مزبدا - وكان الأشتر إذا أراد القتال أزبد - وهو يقول : يا رب قيض لي سيوف الكفرة * واجعل وفاتي بأكف الفجرة فالقتل خير من ثياب الحبره * لا تعدل الدنيا جميعا وبره * ولا بعوضا في ثواب البررة *