ابن أبي الحديد
30
شرح نهج البلاغة
وكتب آثارهم ، وأحصى أعمالهم ، وقضى آجالهم ، فدعاه الله ربه فاستجاب لامره ( 1 ) ، وسلم لامره ، وجاهد في طاعة ابن عم رسوله . أول من آمن به ، وأفقههم في دين الله ، الشديد على أعداء الله ، المستحلين حرم الله ، الذين عملوا في البلاد بالجور والفساد ، واستحوذ عليهم الشيطان ، فأنساهم ذكر الله ، وزين لهم الاثم والعدوان ، فحق عليكم جهاد من خالف الله ، وعطل حدوده ، ونابذ أولياءه . جودوا بمهجكم في طاعة الله في هذه الدنيا ، تصيبوا الآخرة والمنزل الأعلى ، والأبد الذي لا يفنى . فوالله لو لم يكن ثواب ولا عقاب ، ولا جنة ولا نار ، لكان القتال مع علي أفضل من القتال مع معاوية ، فكيف وأنتم ترجون ما ترجون ! قال نصر : وحدثنا عمرو بن شمر ، قال : لما انقضى أمر صفين ، وسلم الحسن عليه السلام الامر إلى معاوية ، ووفدت عليه الوفود ، أشخص عبد الله بن هاشم إليه أسيرا ، فلما مثل بين يديه ، وعنده عمرو بن العاص ، قال : يا أمير المؤمنين ، هذا المختال ابن المرقال ، فدونك الضب المضب ( 2 ) المغر المفتون فاقتله ، فان العصا من العصية وإنما تلد الحية حيية ، وجزاء السيئة سيئة مثلها . فقال عبد الله : إن تقتلني فما أنا بأول رجل خذله قومه ، وأسلمه يومه . فقال عمرو : يا أمير المؤمنين أمكني منه أشخب أوداجه على أثباجه . فقال عبد الله : فهلا كانت هذه الشجاعة منك يا بن العاص في أيام صفين ، ونحن ندعوك إلى النزال ، وقد ابتلت أقدام الرجال من نقيع الجريال ( 3 ) ، وقد تضايقت بك المسالك ، وأشرفت منها على المهالك ! وأيم الله لولا مكانك منه لرميتك بأحد من وقع الأشافي ( 4 ) فإنك لا تزال تكثر في
--> ( 1 ) د " له " . ( 2 ) المضب : الملازم . ( 3 ) الجريال : صبغ أحمر ، ويريد به الدم . ( 4 ) الأشافي : جمع أشفى ، وهو مخصف الإسكاف .