ابن أبي الحديد

121

شرح نهج البلاغة

ثم ظهر المغيرة بن سعيد ( 1 ) مولى بجيلة ، فأراد أن يحدث لنفسه مقالة يستهوي بها قوما ، وينال بها ما يريد الظفر به من الدنيا ، فغلا في علي عليه السلام ، وقال : لو شاء على لأحيا عادا وثمود وقرونا بين ذلك كثيرا . وروى علي بن محمد النوفلي ، قال جاء المغيرة بن سعيد ، فاستأذن على أبى جعفر محمد ابن علي بن الحسين ، وقال له : أخبر الناس أنى أعلم الغيب ، وأنا أطعمك العراق . فزجره أبو جعفر زجرا شديدا ، وأسمعه ماكره ، فانصرف عنه ، فأتى أبا هاشم عبد الله ابن محمد بن الحنفية رحمه الله ، فقال له مثل ذلك - وكان أبو هاشم أيدا - فوثب عليه فضربه ضربا شديدا أشفى به على الموت ، فتعالج حتى برئ ، ثم أتى محمد بن عبد الله ابن الحسن بن الحسن رحمه الله - وكان محمد سكيتا ( 2 ) - فقال له كما قال للرجلين ، فسكت محمد فلم يجبه ، فخرج وقد طمع فيه بسكوته ، وقال : أشهد أن هذا هو المهدى الذي بشر به رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأنه قائم أهل البيت ، وادعى أن علي بن الحسين عليه السلام أوصى إلى محمد بن عبد الله بن الحسن . ثم قدم المغيرة الكوفة ، وكان مشعبذا ، فدعا الناس إلى قوله ، واستهواهم واستغواهم ، فاتبعه خلق كثير ، وادعى ، على محمد ابن عبد الله أنه أذن له في خنق الناس وإسقائهم السموم ، وبث أصحابه في الاسفار يفعلون ذلك بالناس ، فقال له بعض أصحابه : إنا نخنق من لا نعرف ، فقال : لا عليكم ! إن كان من أصحابكم عجلتموه إلى الجنة ، وأن كان من عدوكم عجلتموه إلى النار ، ولهذا السبب كان المنصور يسمى محمد بن عبد الله الخناق ، وينحله ما ادعاه عليه المغيرة . ثم تفاقم أمر الغلاة بعد المغيرة وأمعنوا في الغلو ، فادعوا حلول الذات الإلهية

--> ( 1 ) هو المنيرة بن سعيد العجلي ، مولى خالد بن عبد الله القسري ، وادعى الإمامة لنفسه بعد الإمام محمد بن علي بن الحسين ، وبعد ذلك ادعى النبوة ادعى النبوة لنفسه ، واستحل المحارم ، وغلا في علي غلوا لا يعتقده عاقل ، وزاد على ذلك قوله بالتشبيه . الشهرستاني 1 : 155 . ( 2 ) السكيت ، على التصغير : الكثير السكوت .