ابن أبي الحديد

118

شرح نهج البلاغة

فنص سبحانه على أن من تخف موازينه يكون مكذبا ، والفاسق تخف موازينه ، فكان مكذبا ، وكل مكذب كافر . والجواب أن ذلك لا يمنع من قسم ثالث ، وهم الذين لا تخف موازينهم ولا تثقل ، وهم الفساق ، ولا يلزم من كون كل من خفت موازينه يدخل النار ألا يدخل النار إلا من خفت موازينه . ومنها قوله تعالى : ( هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ) ( 1 ) وهذا يقتضى أن من لا يكون مؤمنا فهو كافر والفاسق ليس بمؤمن ، فوجب أن يكون كافرا . والجواب أن " من " هاهنا للتبعيض ، وليس في ذكر التبعيض نفى الثالث ، كما أن قوله : ( فمنهم من يمشى على رجلين ومنهم يمشى على أربع ) ( 2 ) ، لا ينفى وجود دابة تمشى على أكثر من أربع كبعض الحشرات . * * * ثم نعود إلى الشرح : قوله عليه السلام : " ومن رمى به الشيطان مراميه " ، أي أضله ، كأنه رمى به مرمى بعيدا ، فضل عن الطريق ، ولم يهتد إليها . قوله : " وضرب به تيهه " أي حيره وجعله تائها . ثم قال عليه السلام : يهلك في رجلان ، فأحدهما من أفرط حبه له واعتقاده فيه حتى ادعى له الحلول كما ادعت النصارى ذلك في المسيح عليه السلام ، والثاني من أفرط بغضه له ، حتى حاربه ، أو لعنه ، أو برئ منه ، أو أبغضه ، هذه المراتب الأربع ، والبغض أدناها ، وهو

--> ( 1 ) سورة التغابن 2 . ( 2 ) سورة النور 45 .