ابن أبي الحديد
99
شرح نهج البلاغة
ولا يستهوينكم : أي لا يستهيمنكم يجعلكم هائمين . ولا تتراموا بالابصار ، أي لا يلحظ بعضكم بعضا ، فعل المنكر المكذب . ثم أقسم بالذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، فلق الحبة من البر ، أي شقها وأخرج منها الورق الأخضر ، قال تعالى : إن الله فالق الحب والنوى ) ( 1 ) . وبرأ النسمة ، أي خلق الانسان ، وهذا القسم لا يزال أمير المؤمنين يقسم به ، وهو من مبتكراته ومبتدعاته . والمبلغ والسامع هو نفسه عليه السلام ، يقول : ما كذبت على الرسول تعمدا ، ولا جهلت ما قاله فأنقل عنه غلطا . والضليل : الكثير الضلال ، كالشريب والفسيق ونحوهما . وهذا كناية عن عبد الملك بن مروان ، لأن هذه الصفات والأمارات فيه أتم منها في غيره ، لأنه قام بالشام حين دعا إلى نفسه ، وهو معنى نعيقه ، وفحصت راياته بالكوفة ، تارة حين شخص بنفسه إلى العراق وقتل مصعبا ، وتارة لما استخلف الامراء على الكوفة كبشر بن مروان أخيه ، وغيره حتى انتهى الامر إلى الحجاج ، وهو زمان اشتداد شكيمة عبد الملك وثقل وطأته ، وحينئذ صعب الامر جدا ، وتفاقمت الفتن مع الخوارج وعبد الرحمن بن الأشعث ، فلما كمل أمر عبد الملك - وهو معنى " أينع زرعه " هلك ، وعقدت رايات الفتن المعضلة من بعده ، كحروب أولاده مع بنى المهلب ، وكحروبهم مع زيد بن علي عليه السلام ، وكالفتن الكائنة بالكوفة أيام يوسف بن عمر وخالد القسري وعمر بن هبيرة وغيرهم ، وما جرى فيها من الظلم واستئصال الأموال ، وذهاب النفوس .
--> ( 1 ) سورة الأنعام 95