ابن أبي الحديد

90

شرح نهج البلاغة

واعلم بأن من السكوت إبانة ومن التكلف ما يكون خبالا ( 1 ) وكان يقال : لسان العاقل من وراء قلبه ، فإذا أراد الكلام تفكر ، فإن كان له قال ، وإن كان عليه سكت ، وقلب الجاهل من وراء لسانه ، فإن هم بالكلام تكلم به . وقال سعد بن أبي وقاص لعمرو ابنه حين نطق مع القوم فبذهم ، وقد كان غضب عليه ، فكلموه في الرضا عنه : هذا الذي أغضبني عليه ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : " يكون قوم يأكلون الدنيا بألسنتهم كما تلحس الأرض البقر بألسنتها " . وقال معاوية لعمرو بن العاص في أبى موسى : قد ضم إليك رجل طويل اللسان قصير الرأي فأجد الحز ، وطبق المفصل ، ولا تلقه برأيك كله . وكان يقال : لو كان الكلام من فضة لكان السكوت من ذهب . وكان يقال : مقتل الرجل بين فكيه ، وقيل : بين لحييه . وكان يقال : ما شئ بأحق بسجن من لسان . وقالوا : اللسان سبع عقور . وأخذ أبو بكر بطرف لسانه ، وقال : هذا الذي أوردني الموارد . لما أنكح ضرار بن عمرو ابنته من معبد بن زرارة ، أوصاها حين أخرجها إليه فقال : أمسكي عليك الفضلين ، قالت : وما هما ؟ قال : فضل الغلمة ، وفضل الكلام . وسئل أعرابي كان يجالس الشعبي عن طول صمته ، فقال : أسمع فأعلم ، وأسكت فأسلم . وقال النبي صلى الله عليه وآله : " وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم " ( 2 ) !

--> ( 1 ) البيان والتبيين 1 : 135 ، ونسبهما إلى بعض الكلبين . ( 2 ) النهاية لابن الأثير 1 : 233 ، قال في شرحه : أي ما يقتطعونه من الكلام الذي لا خير فيه ، واحدتها حصيدة ، تشبيها بما يحصد من الزرع ، وتشبيها باللسان وما يقتطعه بحد المنجل الذي يحصد به "