ابن أبي الحديد

88

شرح نهج البلاغة

وقال المعتضد لأحمد بن الطيب السرخسي : طول لسانك دليل على قصر عقلك . قيل للعتابي : ما البلاغة ؟ قال : كل من أفهمك حاجته من غير إعادة ولا خلسة ولا استعانة فهو بليغ . قيل له : ما الاستعانة ؟ قال : ألا ترى الرجل إذا حدث قال : يا هناه ، واستمع إلى ، وافهم ، وألست تفهم ؟ . . هذا كله عي وفساد . دخل على المأمون جماعة من بنى العباس ، فاستنطقهم فوجدهم لكنا مع يسار وهيئة ومن تكلم منهم أكثر وهذر ، فكانت حاله أفحش من حال الساكتين ، فقال : ما أبين الخلة في هؤلاء ! لا خلة الأيدي بل خلة الألسنة والأحلام . وسئل علي عليه السلام عن اللسان ، فقال : معيار أطاشه الجهل ، وأرجحه العقل . سمع خالد بن صفوان مكثارا يتكلم ، فقال له : يا هذا ، ليست البلاغة بخفة اللسان ، ولا بكثرة الهذيان ، ولكنها إصابة المعنى والقصد إلى الحجة . قال أبو سفيان بن حرب لعبد الله بن الزبعرى : ما لك لا تسهب في شعرك ؟ قال : حسبك من الشعر غرة لائحة ، أو وصمة فاضحة . وفي خطبة كتاب " البيان والتبيين " ، لشيخنا أبى عثمان : " ونعوذ بك من شر السلاطة والهذر ، كما نعوذ بك من العي والحصر ، قال أحيحة بن الجلاح : والصمت أجمل بالفتى * ما لم يكن عي يشينه ( 1 ) والقول ذو خطل إذا * ما لم يكن لب يعينه وقال الشاعر يرثي رجلا : لقد وارى المقابر من شريك * كثير تحلم وقليل عاب ( 2 )

--> ( 1 ) البيان والتبيين 1 : 5 ( 2 ) البيان والتبيين ، ونسبهما إلى محرز بن علقمة .