ابن أبي الحديد
8
شرح نهج البلاغة
غير بالغ إلى حد الايجاب ، وفسروا هذه الأمور فقالوا : إنها أربعة أشياء : أولها أن يكون لنفس الانسان ملكة مانعة من الفجور ، داعية إلى العفة . وثانيها العلم بمثالب المعصية ومناقب الطاعة . وثالثها تأكيد ذلك العلم بالوحي والبيان من الله تعالى . ورابعها أنه متى صدر عنه خطأ من باب النسيان السهو لم يترك مهملا بل يعاقب وينبه ويضيق عليه العذر ، قالوا : فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان الشخص معصوما عن المعاصي لا محالة ، لان العفة إذا انضاف إليها العلم بما في الطاعة من السعادة وما في المعصية من الشقاوة ، ثم أكد ذلك تتابع الوحي إليه وترادفه ، وتظاهر البيان عنده ، وتمم ذلك خوفه من العتاب على القدر القليل ، حصل من اجتماع هذه الأمور حقيقة العصمة . وقال أصحابنا ( 1 ) : العصمة لطف يمتنع المكلف عند فعله من القبيح اختيارا ، وقد يكون ذلك اللطف خارجا عن الأمور الأربعة المعدودة ، مثل أن يعلم الله تعالى أنه إن انشاء سحابا ، أو أهب ريحا ، أو حرك جسما فإن زيدا يمتنع عن قبيح مخصوص اختيارا ، فإنه تعالى يجب عليه فعل ذلك ، ويكون هذا اللطف عصمة لزيد ، وإن كان الاطلاق المشتهر في العصمة إنما هو لمجموع ألطاف يمتنع المكلف بها عن القبيح مدة زمان تكليفه . وينبغي أن يقع { الكلام } ( 2 ) بعد هذه المقدمة في ثلاثة فصول : * * * الفصل الأول في حال الأنبياء قبل البعثة ومن الذي يجوز أن يرسله الله تعالى إلى العباد فالذي عليه أصحابنا المعتزلة رحمهم الله ، أنه يجب أن ينزه النبي قبل البعثة عما كان فيه تنفير عن الحق الذي يدعو إليه ، وعما فيه غضاضة وعيب .
--> ( 1 ) هو التفسير الثاني للعصمة . ( 2 ) تكمله من ج ، د .