ابن أبي الحديد
74
شرح نهج البلاغة
يعلم أنه متى وافق إحدى الطائفتين باينته الأخرى ، وأسلمته وتولت عنه وخذلته ، فأخذ عليه السلام يعتمد في جوابه ويستعمل في كلامه ما يظن به كل واحدة من الفرقتين أنه يوافق رأيها ويماثل اعتقادها ، فتارة يقول : الله قتله وأنا معه ، وتذهب الطائفة الموالية لعثمان إلى أنه أراد أن الله أماته وسميتني كما أماته ، وتذهب الطائفة الأخرى إلى أنه أراد أنه قتل عثمان مع قتل الله له أيضا ، وكذلك قوله تارة أخرى : " ما أمرت به ولا نهيت عنه " ، وقوله : " لو أمرت به لكنت قاتلا ، ولو نهيت عنه لكنت ناصرا " ، وأشياء من هذا الجنس مذكورة مروية عنه ، فليزل على هذه الوتيرة حتى قبض عليه السلام ، وكل من الطائفتين موالية له معتقدة أن رأيه في عثمان كرأيها ، فلو لم يكن له من السياسة إلا هذا القدر - مع كثرة خوض الناس حينئذ في أمر عثمان والحاجة إلى ذكره في كل مقام - لكفاه في الدلالة على أنه أعرف الناس بها ، وأحذقهم فيها ، وأعلمهم بوجوه مخارج الكلام ، وتدبير أحوال الرجال . * * * ثم نعود إلى الشرح : قوله عليه السلام : " ونصحت لكم " ، هو الأفصح ، وعليه ، ورد لفظ القرآن ( 1 ) ، وقول العامة : " نصحتك " ليس بالأفصح . قوله : " وعبيد كأرباب " يصفهم بالكبر والتيه . فإن قلت : كيف قال عنهم إنهم عبيد وكانوا عربا صلبية ؟ قلت : يريد أن أخلاقهم كأخلاق العبيد ، من الغدر والخلاف ودناءة الأنفس ، وفيهم مع ذلك كبر السادات والأرباب وتيههم ، فقد جمعوا خصال السوء كلها . وأيادي سبأ ، مثل يضرب للمتفرقين ، وأصله قوله تعالى عن أهل سبأ : ( ومزقناهم
--> ( 1 ) من قوله تعالى في سورة الأعراف 79 : ( وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ) .