ابن أبي الحديد

72

شرح نهج البلاغة

ثم أقسم عليه السلام أن أهل الشام لا بد أن يظهروا على أهل العراق ، وأن ذلك ليس لأنهم على الحق وأهل العراق على الباطل ، بل لأنهم أطوع لأميرهم ، ومدار النصرة في الحرب إنما هو على طاعة الجيش وانتظام أمره ، لا على اعتقاد الحق ، فإنه ليس يغنى في الحرب أن يكون الجيش محقا في العقيدة إذا كان مختلف الآراء ، غير مطيع لأمر المدبر له ، ولهذا تجد أهل الشرك كثيرا ما ينتصرون على أهل التوحيد . ثم ذكر عليه السلام نكتة لطيفة في هذا المعنى ، فقال : العادة أن الرعية تخاف ظلم الوالي ، وأنا أخاف ظلم رعيتي ، ومن تأمل أحواله عليه السلام في خلافته ، علم أنه كان كالمحجور عليه ، لا يتمكن من بلوغ ما في نفسه ، وذلك لان العارفين بحقيقة حاله كانوا قليلين ، وكان السواد الأعظم ، لا يعتقدون فيه الامر الذي يجب اعتقاده فيه ، ويرون تفضيل من تقدمه من الخلفاء عليه ، ويظنون أن الأفضلية إنما هي الخلافة ، ويقلد أخلافهم أسلافهم ، ويقولون : لولا أن الأوائل علموا فضل المتقدمين عليه لما قدموهم ، ولا يرونه إلا بعين التبعية لمن سبقه ، وأنه كان رعية لهم ، وأكثرهم إنما يحارب معه بالحمية ، وبنخوة العربية لا بالدين والعقيدة ، وكان عليه السلام مدفوعا إلى مداراتهم ومقاربتهم ، ولم يكن قادرا على إظهار ما عنده ، ألا ترى إلى كتابه إلى قضاته في الأمصار . ! وقوله : " فاقضوا كما كنتم تقضون ، حتى تكون للناس جماعة ، وأموت كما مات أصحابي " ، وهذا الكلام لا يحتاج إلى تفسير ، ومعناه واضح ، وهو أنه قال لهم : اتبعوا عادتكم الآن بعاجل الحال في الاحكام والقضايا التي كنتم تقضون بها إلى أن يكون للناس جماعة ، أي إلى أن تسفر هذه الأمور والخطوب عن الاجتماع وزوال الفرقة ، وسكون الفتنة ، وحينئذ أعرفكم ما عندي في هذه القضايا والاحكام التي قد استمررتم عليها . ثم قال : " أو أموت كما مات أصحابي " ، فمن قائل يقول : عنى بأصحابه الخلفاء المتقدمين ،