ابن أبي الحديد
57
شرح نهج البلاغة
والعنف ، بالضم : ضد الرفق . وكأس مصبرة ممزوجة بالصبر لهذا المر ، ويجوز أن يكون " مصبرة " مملوءة إلى أصبارها ، وهي جوانبها ، وفي المثل : " أخذها بأصبارها " أي تامة ، الواحد صبر ، بالضم . ويحلسهم : يلبسهم ، أحلست البعير ألبسته الحلس ، وهو كساء رقيق يكون تحت البرذعة ، يقال : له حلس وحلس ، مثل شبه وشبه . والجزور من الإبل : يقع على الذكر والأنثى ، وجزرها : ذبحها . * * * وهذا الكلام إخبار عن ظهور المسودة ، وانقراض ملك بنى أمية . ووقع الامر بموجب إخباره صلوات الله عليه ، حتى لقد صدق قوله : " لقد تود قريش . . . " الكلام إلى آخره ، فإن أرباب السير كلهم نقلوا أن مروان بن محمد قال يوم الزاب لما شاهد عبد الله ابن علي بن عبد الله بن العباس بإزائه في صف خراسان : لوددت أن علي بن أبي طالب تحت هذه الراية بدلا من هذا الفتى ، والقصة طويلة وهي مشهورة ( 1 ) . وهذه الخطبة ذكرها جماعة من أصحاب السير ، وهي متداولة منقولة مستفيضة ، خطب بها علي عليه السلام بعد انقضاء أمر النهروان ، وفيها ألفاظ لم يوردها الرضى رحمه الله . من ذلك قوله عليه السلام : " ولم يكن ليجترئ عليها غيري ، ولو لم أك فيكم ما قوتل أصحاب الجمل والنهروان . وأيم الله لولا أن تتكلوا فتدعوا العمل لحدثتكم بما قضى الله عز وجل على لسان نبيكم صلى الله عليه وآله : لمن قاتلهم مبصرا لضلالتهم ، عارفا للهدى الذي نحن عليه ، سلوني قبل أن تفقدوني ، فإني ميت عن قريب أو مقتول ، بل قتلا ما ينتظر أشقاها أن يخضب هذه بدم " . وضرب بيده إلى لحيته .
--> ( 1 ) تفصيل حوادثها في الكامل لابن الأثير 4 : 327 - 334