ابن أبي الحديد

5

شرح نهج البلاغة

المصدرية المحضة ، كأنه قال : فوافى بالمعصية موافاة ، وطابق بها " سابق العلم " مطابقة . قوله : " فأهبطه بعد التوبة " ، قد اختلف الناس في ذلك ، فقال قوم : بل أهبطه قبل التوبة ، ثم تاب عليه وهو في الأرض . وقال قوم : تاب قبل الهبوط ، وهو قول أمير المؤمنين عليه السلام ، ويدل عليه قوله تعالى : ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم . قلنا اهبطوا منها جميعا ) ( 1 ) ، فأخبر عن أنه أهبطهم بعد تلقى الكلمات والتوبة . وقال تعالى في موضع آخر : ( وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين . قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين . قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ) ( 2 ) . فبين أن اعترافهما بالمعصية واستغفارهما كانا قبل أمرهما بالهبوط ، وقال في موضع آخر : ( وعصى آدم ربه فغوى . ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى . قال اهبطا منها جميعا ) ( 3 ) ، جعل الإهباط بعد الاجتباء والتوبة . واحتج الأولون بقوله تعالى : ( ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين . فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه ، وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين . فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ) ( 4 ) ، قالوا : فأخبر سبحانه عن أمره لهم بالهبوط عقيب إزلال الشيطان لهما ، ثم عقب الهبوط بفاء التعقيب في قوله : ( فتلقى آدم من ربه كلمات ) ، فدل على أن التوبة بعد الهبوط .

--> ( 1 ) سورة البقرة 37 . 38 ( 2 ) سورة الأعراف 22 - 24 . ( 3 ) سورة طه 121 - 123 ( 4 ) سورة البقرة 35 - 38