ابن أبي الحديد

40

شرح نهج البلاغة

وأعملهم بطاعته ، وأتبعهم لسنة رسوله ، وأحياهم لكتابه ، ليس لأحد عندنا فضل إلا بطاعة الله وطاعة الرسول . هذا كتاب الله بين أظهرنا ، وعهد رسول الله وسيرته فينا ، لا يجهل ذلك إلا جاهل عاند عن الحق ، منكر ، قال الله تعالى : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ( 1 ) . ثم صاح بأعلى صوته أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ، فإن توليتم فإن الله لا يحب الكافرين . ثم قال : يا معشر المهاجرين والأنصار : أتمنون على الله ورسوله بإسلامكم ، بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان إن كنتم صادقين . ثم قال : أنا أبو الحسن - وكان يقولها إذا غضب - ثم قال : ألا إن هذه الدنيا التي أصبحتم تمنونها وترغبون فيها ، وأصبحت تغضبكم وترضيكم ، ليست بداركم ولا منزلكم الذي خلقتم له ، فلا تغرنكم فقد حذرتموها ، واستتموا نعم الله عليكم بالصبر لأنفسكم على طاعة الله ، والذل لحكمه ، جل ثناؤه ، فأما هذا الفئ فليس لأحد على أحد فيه أثرة ، وقد فرغ الله من قسمته ، فهو مال الله ، وأنتم عباد الله المسلمون ، وهذا كتاب الله به أقررنا وله أسلمنا ، وعهد نبينا بين أظهرنا فمن لم يرض به فليتول كيف شاء فإن العامل بطاعة الله والحاكم بحكم الله لا وحشة عليه . ثم نزل عن المنبر ، فصلى ركعتين ، ثم بعث بعمار بن ياسر ، وعبد الرحمن بن حنبل القرشي إلى طلحة والزبير ، وهما في ناحية المسجد فأتياهما فدعواهما ، فقاما حتى جلسا إليه عليه السلام ، فقال لهما : نشدتكما الله ، هل جئتماني طائعين للبيعة ، ودعوتماني إليها ، وأنا كاره لها ! قالا : نعم فقال : غير مجبرين ولا مقسورين ، فأسلمت ما لي بيعتكما وأعطيتماني عهدكما !

--> ( 1 ) سورة الحجرات 13 .