ابن أبي الحديد

119

شرح نهج البلاغة

يقول عليه السلام مخاطبا لمن في عصره من بقايا الصحابة ولغيرهم من التابعين ، الذين لم يدركوا عصر رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الله بعث محمدا ، وهو أكرم الناس شيمة ، وأنداهم يدا ، وخيرهم طفلا ، وأنجبهم كهلا ، فصانه الله تعالى في أيام حياته عن أن يفتح عليه الدنيا ، وأكرمه عن ذلك فلم تفتح عليكم البلاد ، ولا درت عليكم الأموال ، ولا أقبلت الدنيا نحوكم ، وما دالت الدولة لكم إلا بعده ، فتمكنتم من أكلها والتمتع بها ، كما يتمكن الحالب من احتلاب الناقة فيحلبها ، وحلت لذاتها لكم ، واستطبتم العيشة ، ووجدتموها حلوة خضرة . ثم ذكر أنهم صادفوها - يعنى الدنيا - وقد صعبت على من يليها ولاية حق ، كما تستصعب الناقة على راكبها إذا كانت جائلة الخطام ، ليس زمامها بممكن راكبها من نفسه ، قلقة الوضين ، لا يثبت هودجها تحت الراكب ، حرامها سهل التناول على من يريده ، كالسدر الذي خضد عنه شوكه ، فصار ناعما أملس ، وحلالها غير موجود لغلبة الحرام عليه ، وكونه صار مغمورا مستهلكا بالنسبة إليه ، وهذا إشارة إلى ما كان يقوله دائما من استبداد الخلفاء قبله دونه بالامر ، وإنه كان الأولى والأحق . * * * فإن قلت : إذا كانت الدنيا قلقة الوضين ، جائلة الخطام ، فهي صعبة الركوب ، وهذا ضد قوله : " حرامها بمنزلة السدر المخضود " ، لأنه من الأمثال المضروبة للسهولة ! قلت : فحوى كلامه أن الدنيا جمحت به عليه السلام ، فألقته عن ظهرها بعد أن كان راكبا لها أو كالراكب لها لاستحقاقه ركوبها ، وأنها صارت بعده كالناقة التي خلعت زمامها ، أو أجالته فلا يتمكن راكبها من قبضه ، واسترخى وضينها لشدة ما كان صدر عنها من النفار والتقحم ، حتى أذرت راكبها ، فصارت على حال لا يركبها إلا من هو موصوف بركوب غير طبيعي ، لأنه ركب ما لا ينبغي أن يركب ، فالذين ولوا أمرها ولوه