ابن أبي الحديد

104

شرح نهج البلاغة

وقوله : " قليل سلبهم " أي همهم القتل لا السلب ، كما قال أبو تمام . إن الأسود أسود الغاب همتها يوم الكريهة في المسلوب لا السلب ( 1 ) ثم ذكر عليه السلام أن هؤلاء أرباب الفتن يجاهدهم قوم أذلة ، كما قال الله تعالى : ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) ( 2 ) ، وذلك من صفات المؤمنين . ثم قال : هم مجهولون عند أهل الأرض لخمولهم قبل هذا الجهاد ، ولكنهم معروفون عند أهل السماء ، وهذا إنذار بملحمة تجرى في آخر الزمان ، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله بنحو ذلك ، وقد فسر هذا الفصل قوم وقالوا إنه أشار به إلى الملائكة لأنهم مجهولون في الأرض ، معروفون في السماء ، واعتذروا عن لفظة " قوم " ، فقالوا : يجوز أن يقال في الملائكة قوم كما قيل في الجن ، قوم قال سبحانه : ( فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين ) ( 3 ) ، إلا أن لفظ " أذلة عند المتكبرين " يبعد هذا التفسير . ثم أخبر بهلاك البصرة بجيش من نقم الله لا رهج له ولا حس ، الرهج : الغبار ، وكنى بهذا الجيش عن جدب وطاعون يصيب أهلها حتى يبيدهم . والموت الأحمر ، كناية عن الوباء والجوع . الأغبر : كناية عن المحل ، وسمى الموت الأحمر لشدته ، ومنه الحديث : كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله ، ووصف الجوع بأنه أغبر ، لان الجائع يرى الآفاق كأن عليها غبرة وظلاما ، وفسر قوم هذا الكلام بوقعة صاحب الزنج ، وهو بعيد ، لان جيشه كان ذا حس ورهج ، ولأنه أنذر البصرة بهذا الجيش عند حدوث تلك الفتن ، ألا تراه قال : " فويل لك يا بصرة عند ذلك " ، ولم يكن قبل خروج صاحب الزنج فتن شديدة على الصفات التي ذكرها أمير المؤمنين عليه السلام .

--> ( 1 ) ديوانه 1 : 71 ( 2 ) سورة المائدة 54 ( 3 ) سورة الأحقاف 29 .