ابن أبي الحديد
50
شرح نهج البلاغة
أتموت البتول غضبى ونرضى * ما كذا يصنع البنون الكرام . يخاطب عمرو يقول له : مهلا ورويدا ( 1 ) يا عمر ، أي أرفق وائتد ولا تعنف بنا . وما كنت مليا ، أي وما كنت أهلا لان تخاطب بهذا وتستعطف ، ولا كنت قادرا على ولوج دار ( 2 ) فاطمة على ذلك الوجه الذي ولجتها عليه ، لولا أن أباها الذي كان بيتها يحترم ويصان لأجله مات ، فطمع فيها من لم يكن يطمع . ثم قال : أتموت أمنا وهي غضبى ونرضى نحن ! إذا لسنا بكرام ، فإن الولد الكريم يرضى لرضا أبيه وأمه ويغضب لغضبهما . والصحيح عندي أنها ماتت وهي واجدة على أبى بكر وعمر ، وأنها أوصت ألا يصليا عليها ، وذلك عند أصحابنا من الأمور المغفورة لهما . وكان الأولى بهما إ كرامها واحترام منزلها لكنهما خافا الفرقة ، وأشفقا من الفتنة ، ففعلا ما هو الأصلح بحسب ظنهما ، وكانا من الدين وقوة اليقين بمكان مكين ، لا شك في ذلك ، والأمور الماضية يتعذر الوقوف على عللها وأسبابها ، ولا يعلم حقائقها إلا من قد شاهدها ولابسها ، بل لعل الحاضرين المشاهدين لها يعلمون باطن الامر ، فلا يجوز العدول عن حسن الاعتقاد فيهما بما جرى ، والله ولى المغفرة والعفو ، فإن هذا لو ثبت أنه خطا لم يكن كبيرة ، بل كان من باب الصغائر التي لا تقتضي التبري ، ولا توجب زوال التولي . قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد عمر بن شبة ، قال : حدثنا محمد بن حاتم ، عن رجاله ، عن ابن عباس ، قال : مر عمر بعلي ، وأنا معه بفناء داره فسلم عليه ، فقال له على : أين تريد ؟ قال : البقيع ، قال : أفلا ( 3 ) تصل صاحبك ، ويقوم معك ( 3 ) ؟ قال : بلى ، فقال لي على : قم معه ، فقمت فمشيت إلى جانبه ، فشبك أصابعه في أصابعي ، ومشينا قليلا ، حتى إذا خلفنا البقيع قال لي يا بن عباس ما والله إن صاحبك هذا لأولى الناس بالامر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أنا خفناه على اثنين ، قال ابن عباس : فجاء بكلام لم أجد بدا من
--> ( 1 ) ب : ( رويدا ) . ( 2 ) ج : ( بيت ) . ( 3 - 3 ) ب : ( نصل جناحك ونقوم معك ) .