ابن أبي الحديد

452

شرح نهج البلاغة

لكان مستحق التقديم بذلك ، إلا تراه كيف وصف الأمواج بأنها مستفحلة ، وأنها ترغو رغاء فحول الإبل . ثم جعل الماء جماحا ثم وصفه بالخضوع ، وحصل للأرض كلكلا ، وجعلها واطئة للماء به ، ووصف الماء بالذل والاستخذاء ، لما جعل الأرض متمعكة عليه كما يتمعك الحمار أو الفرس ، وجعل لها كواهل ، وجعل للذل حكمة ، وجعل الماء في حكمة الذل منقادا أسيرا ، وساجيا مقهورا . وجعل الماء قد كان ذا نخوة وبأو واعتلاء ، فردته الأرض خاضعا مسكينا ، وطأطأت من شموخ أنفه ، وسمو غلوائه ، وجعلها كاعمة له ، وجعل الماء ذا كظة بامتلائه ، كما تعتري الكظة المستكثر من الاكل . ثم جعله هامدا بعد أن كانت له نزقات ، ولابدا بعد أن كانت له وثبات ، ثم جعل للأرض أكتافا وعرانين ، وأنوفا وخياشيم ، ثم نفى النوم عن وميض البرق ، وجعل الجنوب مارية درر السحاب ، ثم جعل للسحاب صدرا وبوانا ، ثم جعل الأرض مبتهجة مسرورة مزدهاة ، وجعل لها ريطا من لباس الزهور ، وسموطا تحلى بها . فيالله وللعجب ! من قوم زعموا أن الكلام إنما يفضل بعضه بعضا لاشتماله على أمثال هذه الصنعة ، فإذا وجدوا في مائة ورقة كلمتين أو ثلاثا منها ، أقاموا القيامة ، ونفخوا في الصور وملئوا الصحف بالاستحسان لذلك والاستظراف ، ثم يمرون على هذا الكلام المشحون كله بهذه الصنعة على ألطف وجه ، وأرصع وجه ، وأرشق عبارة ، وأدق معنى ، وأحسن مقصد ، ثم يحملهم الهوى والعصبية على السكوت عن تفضيله إذا أجملوا وأحسنوا ، ولم يتعصبوا لتفضيل غيره عليه . على أنه لا عجب ، فإنه كلام علي عليه السلام ، وحظ الكلام حظ المتكلم ، وأشبه امرأ بعض بزه ! * * * وهذا آخر الجزء السادس من الاجزاء العشرين من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي على ما جزأه ( 1 ) .

--> ( 1 ) ج : ( تم الجزء السادس من أجزاء شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد على ما جزأه ، ويتلوه الجزء السابع والحمد لله وحده ) .