ابن أبي الحديد

446

شرح نهج البلاغة

سكن بوضع الأرض عليه ، وهذا خلاف ما يشاهد ، وخلاف ما يقتضيه العقل ، لأن الماء الساكن إذا جعل فيه جسم ثقيل اضطرب وتموج ، وصعد علوا ، فكيف الماء المتموج يسكن بطرح الجسم الثقيل فيه ؟ والجواب أن الماء إذا كان تموجه من قبل ريح هائجة ، جاز أن يسكن هيجانه بجسم يحول بينه وبين تلك الريح ، ولذلك إذا جعلنا في الاناء ماء وروحناه بمروحة تموجه ، فإنه يتحرك ، فإن جعلنا على سطح الماء جسما يملأ حافات الاناء وروحنا بالمروحة فإن الماء لا يتحرك لان ذلك الجسم قد حال بين الهواء المجتلب بالمروحة وبين سطح الماء ، فمن الجائز أن يكون الماء الأول هائجا لأجل ريح محركة له ، فإذا وضعت الأرض عليه حال بين سطح الماء وبين تلك الريح ، وقد مر في كلام أمير المؤمنين في الخطبة الأولى ذكر هذه الريح ، فقال : ( ريح اعتقم مهبها ، وأدام مربها وأعصف مجراها ، وأبعد منشأها ، فأمرها بتصفيق الماء الزخار وإثارة موج البحار ، فمخضت مخض السقاء ، وصفت به عصفها بالفضاء ) . * * * الفصل الثاني : في بيان قوله عليه السلام : ( فلما سكن هيج الماء من تحت أكنافها ، وحمل شواهق الجبال البذخ على أكتافها ، فجر ينابيع العيون فيها ، وعدل حركاتها بالراسيات من جلاميدها ) . وذلك لان العامل في ( لما ) يجب أن يكون أمرا مباينا لما أضيفت إليه ، مثاله : لما قام زيد قام عمرو ، فقام الثانية هي العاملة في ( لما ) ، فيجوز أن تكون أمرا مباينا لما أضيف ( لما ) إليه ، وهو قيام زيد وهاهنا قد قال عليه السلام : لما حمل الله تعالى شواهق الجبال على الأرض عدل حركات الأرض بالجبال ، ومعلوم أن أحد الامرين هو الاخر . والجواب أنه ليس أحد الامرين هو الاخر بعينه ، بل الثاني معلول الأول ، وموجب