ابن أبي الحديد

438

شرح نهج البلاغة

بين الجو وبينها ، وأعد الهواء متنسما لساكنها ، وأخرج إليها أهلها على تمام مرافقها . ثم لم يدع جرز الأرض التي تقصر مياه العيون عن روابيها ، ولا تجد جداول الأنهار ذريعة إلى بلوغها ، حتى أنشأ لها ناشئة سحاب تحيى مواتها ، وتستخرج نباتها . ألف غمامها بعد افتراق لمعه ، وتباين قزعه ، حتى إذا تمخضت لجة المزن فيه ، والتمع برقه في كففه ، ولم ينم وميضه في كنهور ربابه ، ومتراكم سحابه ، أرسله سحا متداركا ، قد أسف هيدبه ، يمريه الجنوب درر أهاضيبه ، ودفع شآبيبه . فلما ألقت السحاب برك بوانيها ، وبعاع ما استقلت به من العبء المحمول عليها ، أخرج به من هوامد الأرض النبات ، ومن زعر الجبال الأعشاب ، فهي تبهج بزينة رياضها ، وتزدهي بما ألبسته من ريط أزاهيرها ، وحلية ما سمطت به من ناضر أنوارها ، وجعل ذلك بلاغا للأنام ، ورزقا للأنعام ، وخرق الفجاج في آفاقها ، وأقام المنار للسالكين على جواد طرقها . * * * الشرح : كبس الأرض ، أي أدخلها في الماء بقوة واعتماد شديد ، ويقال لضرب من التمر : الكبيس ، لأنه يكبس حتى يتراص . والمور : مصدر ( مار ) أي ذهب وجاء . ومستفحلة : هائجة هيجان الفحول . واستفحل الامر : تفاقم . واشتد . وزاخرة ، زخر الماء أي امتد جدا وارتفع . والأواذي : جمع آذى ، وهو الموج . وتصطفق : يضرب بعضها بعضا . والأثباج هاهنا :