ابن أبي الحديد
436
شرح نهج البلاغة
وقال معظم أصحابنا إن إبليس ليس من الملائكة ، ولا كان منها ، وإنما استثناه الله تعالى منهم ، لأنه كان مأمورا بالسجود معهم ، فهو مستثنى من عموم المأمورين بالسجود ، لا من خصوص الملائكة . * * * البحث الثامن في هاروت وماروت ، هل هما من الملائكة أم لا ؟ قال جمهور أصحابنا : إنهما من الملائكة ، وإن القرآن العظيم قد صرح بذلك في قوله : ( وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ) ( 1 ) وإن الذي أنزل عليهما هو علم السحر ، ابتلاء من الله تعالى للناس ، فمن تعلمه منهم وعمل به كان كافرا ، ومن تجنبه أو تعلمه لا ليعمل به ولكن ليتوقاه كان مؤمنا : قالوا : وما كان هذان الملكان يعلمان أحدا حتى ينبهاه وينهياه وينصحاه ، ويقولا له : ( إنما نحن فتنة ) ، أي ابتلاء واختبار من الله : ( فلا تكفر ) ولا تتعلمه ، معتقدا أنه حق . وحكى عن الحسن البصري أن هاروت وماروت علجان أقلفان من أهل بابل ، كانا يعلمان الناس السحر ، وقرأ الحسن ( على الملكين ببابل ) بكسر اللام . وقال قوم : كانا من الملائكة ، فعصيا الله تعالى بالحيف في الحكومة ، وقد كان استقضاهما في الأرض ، وركب فيهما الشهوة والغضب ، على نحو ما ركب في البشر ، امتحانا لهما ، لأنهما قد كانا عيرا البشر بالمعصية ، فلما عصيا حبسهما الله تعالى وعاقبهما بعذاب معجل ، وألهمهما كلاما إذا تكلما به سكن بعض ما بهما من الألم ، وإن السحرة يستمعون ذلك الكلام فيحفظونه ، ويفرقون به بين المرء وزوجه ، فإنهما يتقدمان إلى من يحضرهما عندما يتكلمان بالزجر عن العمل بذلك الكلام ، ويقولان : ( إنما نحن
--> ( 1 ) سورة البقرة . .