ابن أبي الحديد
406
شرح نهج البلاغة
ثم قال للسائل بعد غضبه واستحالة لونه وظهور أثر الانكار عليه : ما دلك القرآن عليه من صفته فخذ به ، فإن لم تجده في الكتاب ، فاطلبه من السنة ومن مذاهب أئمة الحق ، فإن لم تجد ذلك ، فاعلم أن الشيطان حينئذ قد كلفك علم ما لم يكلفك الله علمه ، وهذا حق ، لان الكتاب والسنة قد نطقا بصفات الله من كونه عالما قادرا حيا مريدا سميعا بصيرا ، ونطقا أيضا بتنزيهه عن سمات الحدوث كالجسمية والحلول والجهة ، وما استلزم الجهة كالرؤية فلا إنكار على من طلب في مدارك العقول وجوها تعضد ما جاء به القرآن والسنة ، وتوفق بين بعض الآيات وبعض ، وتحمل أحد اللفظين على الاخر إذا تناقضا في الظاهر ، صيانة لكلام الحكيم عن التهافت والتعارض . وأما ما لم يأت الكتاب والسنة فيه بشئ فهو الذي حرم وحظر على المكلفين الفكر فيه ، كالكلام في الماهية التي يذهب ضرار المتكلم إليها ، وكإثبات صفات زائدة على الصفات المعقولة لذات الباري سبحانه ، وهي على قسمين : أحدهما : ما لم يرد فيه نص ، كإثبات طائفة تعرف أحدهما : ما لم يرد فيه نص ، كإثبات طائفة تعرف بالماتريدية صفة سموها التكوين زائدة على القدرة والإرادة . والثاني : ما ورد فيه لفظ فأخطأ بعض أهل النظر ، فأثبت لأجل ذلك اللفظة صفة غير معقولة للباري سبحانه ، نحو قول الأشعريين : إن اليدين صفة من صفات الله ، والاستواء على العرش صفة من صفات الله ، وإن وجه الله صفة من صفاته أيضا ، ثم قال : إن الراسخين في العلم الذين غنوا بالاقرار بما عرفوه عن الولوج والتقحم فيما لم يعرفوه ، وهؤلاء هم أصحابنا المعتزلة لا شبهة في ذلك ، إلا ترى أنهم يعللون أفعال الله تعالى بالحكم والمصالح ، فإذا ضاق عليهم الامر في تفصيل بعض المصالح في بعض المواضع ، قالوا : نعلم على الجملة أن لهذا وجه حكمة ومصلحة ، وإن كنا لا نعرف تفصيل تلك المصلحة ، كما يقولون في تكليف من يعلم الله تعالى منه أنه يكفر ، وكما يقولون في اختصاص الحال التي حدث فيها العالم بحدوثه دون ما قبلها وما بعدها .