ابن أبي الحديد

4

شرح نهج البلاغة

احتجوا بالشجرة ، وأضاعوا الثمرة ! * * * الشرح : قد ذكرنا فيما تقدم طرفا من أخبار السقيفة ، فأما هذا الخبر الوارد في الوصية بالأنصار ، فهو خبر صحيح ، أخرجه الشيخان محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج القشيري في مسنديهما ، عن أنس بن مالك ، قال : مر أبو بكر والعباس رضى الله تعالى عنهما بمجلس من الأنصار في مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يبكون فقالا ما يبكيكم ؟ قالوا : ذكرنا محاسن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فدخلا على النبي صلى الله عليه وسلم وأخبراه بذلك فخرج صلى الله عليه وسلم وقد عصب على رأسه حاشية بردة ( 1 ) ، فصعد المنبر - ولم يصعده بعد ذلك اليوم - فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : ( أوصيكم بالأنصار ، فإنهم كرشي وعيبتي ، وقد قضوا الذي عليهم ، وبقى الذي لهم ، فاقبلوا من محسنهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم ) ( 2 ) . فأما كيفية الاحتجاج على الأنصار ، فقد ذكر ها علي عليه السلام ، وهي أنه لو كان صلوات الله وسلامه عليه - ممن يجعل الإمامة فيهم ، لأوصى إليهم ولم يوص بهم . وإلى هذا نظر عمرو بن سعيد بن العاص ، وهو المسمى بالأشدق ، فإن أباه لما مات خلفه غلاما ، فدخل إلى معاوية فقال : إلى من أوصى بك أبوك ؟ فقال : إن أبى أوصى إلى ولم يوص بي ، فاستحسن معاوية منه ذلك ، فقال : إن هذا الغلام لأشدق ، فسمى الأشدق . فأما قول أمير المؤمنين : ( احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة ) ، فكلام قد تكرر منه

--> ( 1 ) البخاري : ( برد ) ( 2 ) صحيح البخاري 2 : 312 ، صحيح مسلم 1949