ابن أبي الحديد
399
شرح نهج البلاغة
وقوله : ( الصلاة جامعة ) منصوب بفعل مقدر ، أي احضروا الصلاة ، وأقيموا الصلاة ، ( وجامعة ) منصوب على الحال من الصلاة . وغص المسجد ، بفتح الغين ، أي امتلاء ، والمسجد غاص باهله . ويقال : رجل مغضب ، بفتح الضاد ، أي قد أغضب ، أي فعل به ما يوجب غضبه . ويفره المنع ، يزيد في ماله ، والموفور التام ، وفرت الشئ وفرا ووفر الشئ نفسه وفورا ، يتعدى ولا يتعدى . وفى أمثالهم : ( يوفر ويحمد ) هو من قولك وفرته عرضه ووفرته ماله . وقوله : ( ولا يكديه الاعطاء ) ، أي لا يفقره ولا ينفد خزائنه ، يقال : ( كدت الأرض ) تكدو فهي كادية ، إذا أبطأ نباتها ، وقل خيرها ، فهذا لازم ، فإذا عديته أتيت بالهمزة فقلت : أكديت الأرض ، أي جعلتها كادية ، وتقول : أكدى الرجل إذا قل خيره ، وقوله تعالى : ( وأعطى قليلا وأكدى ) ( 1 ) ، أي قطع القليل ، يقول : إنه سبحانه قادر على المقدورات ، وليس كالملوك من البشر الذين إذا أعطوا نقصت خزائنهم وإن منعوا زادت ، وقد شرح ذلك وقال : ( إذ كل معط منتقص ) ، أي منقوص ويجئ ( انتقص ) لازما ومتعديا ، تقول انتقص الشئ نفسه ، وانتقصت الشئ ، أي نقصته وكذلك ( نقص ) يجئ لازما ومتعديا . ثم قال : ( وكل مانع مذموم غيره ) ، وذلك لأنه تعالى إنما يمنع من تقتضي الحكمة والمصلحة منعه ، وليس كما يمنع البشر ، وسأل رجل علي بن موسى الرضا عن الجواد ، فقال : إن لكلامك وجهين ، فإن كنت تسأل عن المخلوق ، فإن الجواد هو الذي يؤدى ما افترض الله عليه ، والبخيل هو الذي يبخل بما افترض الله عليه ، وإن كنت تعنى الخالق ،
--> ( 1 ) سورة النجم 34 .