ابن أبي الحديد
389
شرح نهج البلاغة
الشعار ، وهذا من بديع الكلام ومن جيد الصناعة ، لأنه لما كان الخوف يتقدم السيف والسيف يتلوه ، جعل الخوف شعارا لأنه الأقرب إلى الجسد ، وجعل الدثار تاليا له . ثم قال : ( واذكروا تيك ) كلمة إشارة إلى المؤنثة الغائبة ، فيمكن أن يعنى بها الدنيا التي تقدم ذكرها ، وقد جعل آباءهم وإخوانهم مرتهنين بها ، ومحاسبين عليها ، والارتهان : الاحتباس ، ويمكن أن يعنى بها الأمانة التي عرضت على الانسان فحملها ، والمراد بالأمانة الطاعة والعبادة وفعل الواجب وتجنب القبيح . وقال : ( تيك ) ولم يجر ذكرها ، كما قال تعالى : ( ألم . ذلك الكتاب ) ( 1 ) ولم يجر ذكره ، لان الإشارة إلى مثل هذا أعظم وأهيب وأشد روعة في صدر المخاطب من التصريح . قوله : ( ولا خلت فيما بينكم وبينهم الأحقاب ) ، أي لم يطل العهد ، والأحقاب : المدد المتطاولة ، والقرون : الأمم من الناس . وقوله : ( من يوم كنتم ) ، يروى بفتح الميم من ( يوم ) على أنه مبنى ، إذ هو مضاف إلى الفعل المبنى ، ويروى بجرها بالإضافة ، على اختلاف القولين في علم العربية . ثم اختلفت الرواية في قوله : ( والله ما أسمعكم ) فروى بالكاف وروى ( أسمعهم ) ، وكذلك اختلفت الرواية في قوله : ( وما أسماعكم اليوم بدون أسماعكم بالأمس ) ، فروى هكذا وروى ( بدون أسماعهم ) ، فمن رواه بهاء الغيبة في الموضعين فالكلام منتظم ، لا يحتاج إلى تأويل ، ومن رواه بكاف الخطاب ، قال : إنه خاطب به من صحب النبي صلى الله عليه وآله وشاهده وسمع خطابه ، لان أصحاب علي عليه السلام كانوا فريقين : صحابة وتابعين ، ويعضد الرواية الأولى سياق الكلام . وقوله : ( ولا شقت لهم الابصار . . . إلا وقد أعطيتم مثلها ) ( 2 ) .
--> ( 1 ) سورة البقرة 1 ، 2 . ( 2 ) كذا في الأصول .