ابن أبي الحديد
374
شرح نهج البلاغة
وقوله : ( يؤمن الناس من العظائم ) ، فيه تأكيد لمذهب أصحابنا في الوعيد ، وتضعيف لمذهب المرجئة ، الذين يؤمنون الناس من عظائم الذنوب ، ويمنونهم العفو ، مع الاصرار وترك التوبة ، وجاء في الخبر المرفوع المشهور : ( الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله ) . وقوله : ( يقول أقف عند الشبهات ) ، يعنى أن هذا المدعى للعلم يقول لنفسه وللناس : أنا واقف عند أدنى شبهة تحرجا وتورعا ، كما قال صلى الله عليه وآله : ( دع ما يريبك إلى مالا يريبك ) . ثم قال : ( وفى الشبهات وقع ) ، أي بجهله ، لان من لا يعلم الشبهة ما هي ، كيف يقف عندها ، ويتخرج من الورطة فيها ، وهو لا يأمن من كونها غير شبهة على الحقيقة ! وقوله : ( اعتزل البدع ، وبينها اضطجع ) ، إشارة إلى تضعيف مذاهب العامة والحشوية الذين رفضوا النظر العقلي ، وقالوا : نعتزل البدع . وقوله : ( فالصورة صورة إنسان . . ) وما بعده ، فمراد بالحيوان هاهنا الحيوان الأخرس كالحمار والثور ، وليس يريد العموم ، لان الانسان داخل في الحيوان ، وهذا مثل قوله تعالى : ( إن هم إلا كالا نعام بل هم أضل سبيلا ) ( 1 ) . وقال الشاعر : وكائن ترى من صامت لك معجب * زيادته أو نقصه في التكلم ( 2 ) لسان الفتى نصف ونصف فؤاده * فلم يبق إلا صورة اللحم والدم .
--> ( 1 ) سورة الفرقان 44 . ( 2 ) البيتان ينسبان إلى زهير ، ملحق ديوانه ص 192 ( من مجموعة الثمين ) .