ابن أبي الحديد
333
شرح نهج البلاغة
كأنك آيس ؟ فقالا : لا نبرح حتى ينزل علينا الوحي ، فأوحى الله إليهما : أحبكما إلى الطلق البسام ، أحسنكما ظنا بي . وروى عن كبراء الصحابة رضى الله تعالى عنهم أنهم كانوا يتمازحون ويتناشدون الاشعار ، فإذا خاضوا في الدين ، انقلبت حماليقهم ، وصاروا في صور أخرى . وروى أن عبد الله بن عمر قال لجاريته : خلقني خالق الخير ، وخلقك خالق الشر . فبكت ، فقال : لا عليك ، فإن الله تعالى هو خالق الخير وهو خالق الشر . قلت : يعنى بالشر المرض والغلاء ونحوهما . وكان ابن سيرين ينشد : نبئت أن فتاة كنت أخطبها * عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول ( 1 ) ثم يضحك حتى يسيل لعابه . وجاء عبد الرحمن بن عوف إلى باب عمر بن الخطاب ، فوجده مستلقيا على مرفقه له ، رافعا إحدى رجليه على الأخرى ، منشدا بصوت عال : وكيف ثوائي بالمدينة بعدما * قضى وطرا منها جميل بن معمر . فلما دخل عبد الرحمن وجلس ، قال : يا أبا محمد ، إنا إذا خلونا قلنا كما يقول الناس . وكان سعيد بن المسيب ينشد : لقد أصبحت عرس الفرزدق جامحا * ولو رضيت رمح استه لاستقرت ( 2 ) ويضحك حتى يستغرق . وكان يقال : لا بأس بقليل المزاح يخرج منه الرجل عن حد العبوس
--> ( 1 ) زهر الآداب 165 ، من غير نسبة . ( 2 ) لجرير ، ديوانه 88