ابن أبي الحديد

327

شرح نهج البلاغة

غير ضعف ، جوادا من غير سرف ، ممسكا من غير وكف ( 1 ) . قال ابن عباس : وكانت هذه صفات عمر ، ثم أقبل على فقال : إن أحراهم أن يحملهم على كتاب ربهم وسنة نبيهم لصاحبك ، والله لئن وليها ليحملنهم على المحجة البيضاء والصراط المستقيم . * * * واعلم أن الرجل ذا الخلق المخصوص لا يرى الفضيلة إلا في ذلك الخلق ، إلا ترى أن الرجل يبخل فيعتقد أن الفضيلة في الامساك ، والبخيل يعيب أهل السماح والجود ، وينسبهم إلى التبذير وإضاعة الحزم ، وكذلك الرجل الجواد يعيب البخلاء وينسبهم إلى ضيق النفس وسوء الظن وحب المال ، والجبان يعتقد أن الفضيلة في الجبن ويعيب الشجاعة ويعتقد كونها خرقا وتغريرا بالنفس ، كما قال المتبنى : * يرى الجبناء أن الجبن حزم ( 1 ) * والشجاع يعيب الجبان وينسبه إلى الضعف ، ويعتقد أن الجبن ذل ومهانة ، وهكذا القول في جميع الأخلاق والسجايا المقتسمة بين نوع الانسان . ولما كان عمر شديد الغلظة وعر الجانب ، خشن الملمس دائم العبوس ، كان يعتقد أن ذلك هو الفضيلة وأن خلافه نقص ، ولو كان سهلا طلقا مطبوعا على البشاشة وسماحة الخلق ، لكان يعتقد أن ذاك هو الفضيلة وأن خلافه نقص ، حتى لو قدرنا أن خلقه حاصل لعلى عليه السلام ، وخلق على حاصل له ، لقال في علي : ( لولا شراسة فيه ) . فهو غير ملوم عندي فيما قاله ، ولا منسوب إلى أنه أراد الغض من على ، والقدح

--> ( 1 ) الوكف : العيب . ( 2 ) ديوانه 239 وبقيته : * وتلك خديعة الطبع اللئيم *