ابن أبي الحديد

298

شرح نهج البلاغة

[ عبد الله بن العباس ورجالات قريش في مجلس معاوية ] وروى المدائني أيضا قال : وفد عبد الله بن عباس على معاوية مرة ، فقال معاوية لابنه يزيد ، ولزياد بن سمية وعتبة بن أبي سفيان ومروان بن الحكم وعمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن أم الحكم : إنه قد طال العهد بعبد الله بن عباس ، وما كان شجر بيننا وبينه وبين ابن عمه ، ولقد كان نصبه للتحكيم فدفع عنه ، فحركوه على الكلام لنبلغ حقيقة صفته ، ونقف على كنه معرفته ، ونعرف ما صرف عنا من شبا حده ، وزوى عنا من دهاء رأيه ) فربما وصف المرء بغير ما هو فيه ، وأعطى من النعت والاسم ما لا يستحقه . ثم أرسل إلى عبد الله بن عباس ، فلما دخل واستقر به المجلس ، ابتدأه ابن أبي سفيان فقال : يا بن عباس ، ما منع عليا أن يوجه بك حكما ؟ فقال : أما والله لو فعل لقرن عمرا بصعبة من الإبل ، يوجع كفه ( 1 ) مراسها ، ولا ذهلت عقله ، وأجرضته بريقه ، وقدحت في سويداء قلبه ، فلم يبرم أمرا ، ولم ينفض ترابا ، إلا كنت منه بمرأى ومسمع ، فإن أنكأه أدميت قواه ، وإن أدمه فصمت عراه ، بغرب مقول لا يقل حده ، وأصالة رأى كمتاح الاجل لا وزر منه ، أصدع به أديمه وأفل به شبا حده وأشحذ به عزائم المتقين ، وأزيح به شبه الشاكين . فقال عمرو بن العاص : هذا والله يا أمير المؤمنين نجوم أول الشر ، وأفول آخر الخير ، وفى حسمه قطع مادته ، فبادره بالحملة ، وانتهز منه الفرصة ، واردع بالتنكيل به غيره ، وشرد به من خلفه . فقال ابن عباس : يا بن النابغة ، ضل والله عقلك وسفه حلمك ، ونطق الشيطان على لسانك ، هلا توليت ذلك بنفسك يوم صفين حين دعيت نزال ، وتكافح الابطال ،

--> ( 1 ) ( 1 ) : ( كفيه ) .