ابن أبي الحديد
286
شرح نهج البلاغة
قال معاوية : إني لا أرى ذلك ولا أفعله ، قالوا : عزمنا عليك يا أمير المؤمنين لتفعلن ، فقال : ويحكم لا تفعلوا ! فوالله ما رأيته قط جالسا عندي إلا خفت مقامه وعيبه لي ، قالوا : ابعث إليه على كل حال . قال : إن بعثت إليه لأنصفنه منكم . فقال عمرو بن العاص : أتخشى أن يأتي باطله على حقنا ، أو يربي قوله على قولنا ؟ قال معاوية : أما إني إن بعثت إليه لآمرنه أن يتكلم بلسانه كله ، قالوا : مره بذلك . قال : أما إذ عصيتموني ، وبعثتم إليه وأبيتم إلا ذلك فلا تمرضوا ( 1 ) له في القول ، واعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب ، ولا واعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب ، ولا يلصق بهم العار ، ولكن اقذفوه بحجره ، تقولون له : إن أباك قتل عثمان ، وكره خلافة الخلفاء من قبله . فبعث إليه معاوية ، فجاءه رسوله ، فقال : إن أمير المؤمنين يدعوك . قال : من عنده فسماهم له . فقال الحسن عليه السلام : مالهم خر عليهم السقف من فوقهم ، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ثم قال : يا جارية ، ابغيني ( 2 ) ثيابي ، اللهم إني أعوذ بك من شرورهم ، وأدرأ بك في نحورهم ، وأستعين بك عليهم ، فاكفنيهم كيف شئت وأنى شئت ، بحول منك وقوة ، يا أرحم الراحمين ! ثم قام ، فلما دخل على معاوية ، أعظمه وأكرمه ، وأجلسه إلى جانبه ، وقد ارتاد القوم ، وخطروا خطران الفحول ، بغيا في أنفسهم وعلوا ، ثم قال : يا أبا محمد ، إن هؤلاء بعثوا إليك وعصوني . فقال الحسن عليه السلام : سبحان الله ، الدار دارك . والاذن فيها إليك ، والله إن كنت أجبتهم إلى ما أرادوا وما في أنفسهم ، إني لأستحي لك من الفحش ، وإن كانوا غلبوك على رأيك ، إني لأستحي لك من الضعف ، فأيهما تقرر ، وأيهما تنكر ؟ أما إني
--> ( 1 ) فلا تمرضوا له ، آي لا تجعلوا قولكم مريضا . ( 2 ) الغيني ثيابي ، أي أعينيني على إحضارها .