ابن أبي الحديد

264

شرح نهج البلاغة

وأوجف الذكر بلسانه ، وقدم الخوف لأمانه ، وتنكب المخالج عن وضح السبيل ، وسلك أقصد المسالك إلى النهج المطلوب ، ولم تفتله فاتلات الغرور ، ولم تعم عليه مشتبهات الأمور ، ظافرا بفرحة البشرى ، وراحة النعمى ، في أنعم نومه ، وآمن يومه . قد عبر معبر العاجلة حميدا ، وقدم زاد الأجلة سعيدا ، وبادر عن وجل ، وأكمش في مهل ، ورغب في طلب ، وذهب عن هرب ، وراقب في يومه غده ، وربما نظر قدما أمامه . فكفى بالجنة ثوابا ونوالا ، وكفى بالنار عقابا ووبالا ! وكفى بالله منتقما ونصيرا ! وكفى بالكتاب حجيجا وخصيما ! * * * الشرح : وقال أصحابنا رحمهم الله تعالى : الصراط الوارد ذكره في الكتاب العزيز ، هو الطريق لأهل الجنة إلى الجنة ولأهل النار إلى النار بعد المحاسبة ، قالوا : لان أهل الجنة ممرهم على باب النار ، فمن كان من أهل النار عدل به إليها ، وقذف فيها ، ومن كان من أهل الجنة مر بالنار مرورا نجا منها إلى الجنة ، وهو معنى قوله تعالى : ( وإن منكم إلا واردها ) ( 1 ) ، لان ورودها هو القرب منها ، والدنو إليها ، وقد دل القرآن على سور مضروب بين مكان النار وبين الموضع الذي يجتازون منه إلى الجنة في قوله : ( فضرب بينهم بسور له باب ، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ) ( 2 ) .

--> ( 1 ) سورة مريم 19 . ( 2 ) سورة الحديد 13 .