ابن أبي الحديد

242

شرح نهج البلاغة

وإذا جعلت ( الأول ) صفة لم تصرفه ، تقول : لقيته عاما أول ، لاجتماع وزن الفعل ، وتقول : ما رأيته مذ عام أول ، كلاهما بغير تنوين ، فمن رفع جعله صفة لعام ، كأنه قال : أول من عامنا ، ومن نصب جعله كالظرف ، كأنه قال : مذ عام قبل عامنا . فإن قلت : ( ابدأ بهذا أول ) ، ضممته على الغاية . والإنهاء : الإبلاغ ، أنهيت إليه الخبر فانتهى ، أي بلغ ، والمعنى أن الله تعالى أعذر إلى خلقه وأنذرهم ، فإعذاره إليهم أن عرفهم بالحجج العقلية والسمعية أنهم إن عصوه استحقوا العقاب ، فأوضح عذره لهم في عقوبته إياهم على عصيانه . وإنذاره لهم : تخويفه إياهم من عقابه . وقد نظر البحتري إلى معنى قوله عليه السلام : ( علا بحوله ، ودنا بطوله ) ، فقال : دنوت تواضعا وعلوت قدرا * فشأناك انخفاض وارتفاع ( 1 ) كذاك الشمس تبعد أن تسامى * ويدنو النور منها والشعاع . * * * وفى هذا الفصل ضروب من البديع ، فمنها أن ( دنا ) في مقابلة ( علا ) لفظا ومعنى ، وكذلك ( حوله ) و ( طوله ) . فإن قلت : لا ريب في تقابل ( دنا ) و ( علا ) من حيث المعنى واللفظ ، وأما ( حوله ) و ( طوله ) فإنهما يتناسبان لفظا ، وليسا متقابلين معنى ، لأنهما ليسا ضدين ، كما في العلو والدنو . قلت : بل فيهما معنى التضاد ، لان الحول هو القوة ، وهي مشعرة بالسطوة والقهر ، ومنه منشأ الانتقام ، والطول الإفضال والتكرم ، وهو نقيض الانتقام والبطش . فإن قلت : أنت وأصحابك لا تقولون إن الله تعالى قادر بقدرة ، وهو عندكم قادر

--> ( 1 ) ديوانه 1 : 82 ، يمدح إبراهيم بن المدبر .