ابن أبي الحديد

235

شرح نهج البلاغة

وقال علي عليه السلام : طوبى لمن عرف الناس ولم يعرفوه ، تعجلت له منيته ، وقل تراثه ، وفقد باكياته . وكان يقال : في الجو ثلاث خصال : حياة للقلب ، ومذلة للنفس ، ويورث العقل الدقيق . . . . ( 1 ) وقال رجل لإبراهيم بن أدهم أريد أن تقبل منى دراهم ، قال : إن كنت غنيا قبلتها منك ، وإن كنت فقيرا لم أقبلها ، قال : فإني غنى ، قال : كم تملك ؟ قال : ألفي درهم ، قال : أفيسرك أن تكون أربعة آلاف ؟ قال : نعم ، قال : لست بغنى ودراهمك لا أقبلها . وكان أبو حازم الأعرج إذا نظر إلى الفاكهة في السوق ، قال : موعدك الجنة إن شاء الله تعالى . ومر أبو حازم بالقصابين ، فقال له رجل منهم : يا أبا حازم ، هذا سمين فاشتر منه ، قال : ليس عندي دراهم ، قال : أنا أنظرك ، قال : فأفكر ساعة ، ثم قال : أنا أنظر نفسي . نزل الحجاج في يوم حار على بعض المياه ، ودعا بالغداء ، وقال لحاجبه : انظر من يتغدى معي ، واجهد ألا يكون من أهل الدنيا ، فرأى الحاجب أعرابيا نائما ، عليه شملة من شعر ، فضربه برجله ، وقال : أجب الأمير ، فأتاه ، فدعاه الحجاج إلى الاكل ، فقال : دعاني من هو خير من الأمير فأجبته . قال : من هو ؟ قال : الله ، دعاني إلى الصوم فصمت ، قال : أفي هذا اليوم الحار ؟ قال : نار جهنم أشد حرا ، قال : أفطر وتصوم غدا ، قال : إن ضمنت لي البقاء إلى غد ، قال : ليس ذلك إلى ، قال : فكيف أدع عاجلا لأجل لا تقدر عليه ! قال : إنه طعام طيب ، قال : إنك لم تطيبه ولا الخباز ، ولكن العافية طيبته لك . وقال شبيب : كنا سنة في طريق مكة ، فجاء أعرابي في يوم صائف شديد الحر ،

--> ( 1 ) كذا بالأصل ، وموضع النقط كلمة غير واضحة ، ولعل العبارة : ( دقيق المعاني ) .