ابن أبي الحديد
216
شرح نهج البلاغة
والله ما أعرف بين لابتيها أحدا أولى بها منه ولا أحق ، ولا أرى له نظيرا في جميع حالاته ، فلماذا تكرهين ولايته ؟ قال : فما ردت عليه جوابا . قال . وقد روى من طرق مختلفه أن عائشة لما بلغها قتل عثمان وهي بمكة ، قالت : أبعده الله ! ذلك بما قدمت يداه ، وما الله بظلام للعبيد . قال : وقد روى قيس بن أبي حازم أنه حج في العام الذي قتل فيه عثمان وكان مع عائشة لما بلغها قتله ، فتحمل إلى المدينة ، قال : فسمعها تقول في بعض الطريق : إيه ذا الإصبع ! وإذا ذكرت عثمان قالت : أبعده الله ! حتى أتاها خبر بيعة على ، فقالت : لوددت أن هذه وقعت على هذه ، ثم أمرت برد ركائبها إلى مكة فردت معها ، ورأيتها في سيرها إلى مكة تخاطب نفسها ، كأنها تخاطب أحدا : قتلوا ابن عفان مظلوما ! فقلت لها : يا أم المؤمنين ، ألم أسمعك آنفا تقولين : أبعده الله وقد رأيتك قبل أشد الناس عليه وأقبحهم فيه قولا ! فقالت : لقد كان ذلك ، ولكني نظرت في أمره ، فرأيتهم استتابوه حتى إذا تركوه كالفضة البيضاء أتوه صائما محرما في شهر حرام فقتلوه . قال : وروى من طرق أخرى أنها قالت لما بلغها قتله ، أبعده الله ! قتله ذنبه ، وأقاده الله بعمله ! يا معشر قريش لا يسومنكم قتل عثمان ، كما سام أحمر ثمود قومه ، إن أحق الناس بهذا الامر ذو الإصبع ، فلما جاءت الاخبار ببيعة علي عليه السلام ، قالت : تعسوا تعسوا ! لا يردون الامر في تيم أبدا . كتب طلحة والزبير إلى عائشة وهي بمكة كتابا : أن خذلي الناس عن بيعة على ، وأظهري الطلب بدم عثمان ، وحملا الكتاب مع ابن أختها عبد الله بن الزبير ، فلما قرأت الكتاب كاشفت وأظهرت الطلب بدم عثمان ، وكانت أم سلمة رضي الله عنها بمكة في ذلك العام ، فلما رأت صنع عائشة ، قابلتها بنقيض ذلك ، وأظهرت موالاة علي عليه السلام ونصرته على مقتضى العداوة المركوزة في طباع الصرتين .