ابن أبي الحديد
212
شرح نهج البلاغة
الطب والحيل أم لا ؟ كأنه مثلا استدل على أنه يصيب هذا الانسان حرارة يحم منها ، فينبغي أن يحكم بأنه يحم إن لم يتلاف تلك الحرارة بالتبريد ، فإنه إذا فعل ذلك أنزل الأمور منازلها ، وأجراها مجاريها . ثم إن كان الحادث قويا لا يمكن دفعه ببعض ما ذكرنا ، فليس يلزم الحاجة إلى ما قلنا ، فإن الامر يحدث لا محالة ، وما قوى وشمل الناس ، فإنه لا يمكن دفعه ولا فسخه ، وإن أمكن فإنما يمكن في بعض الناس دون بعض . وأما أكثرهم فإنه يجرى أمره على ما قد شمل وعم ، فقد يعم الناس حر الصيف ، وإن كان بعضهم يحتال في صرفه بالأشياء التي تبرد وتنفى الحر . فهذه جملة ما ينبغي أن يعلم ويعمل عليه أمور هذه الصناعة . * * * قلت : هذا اعتراف بأن جميع الاحداث المتعلقة باختيار الانسان وغيره من الحيوان لا مدخل لعلم أحكام النجوم فيه ، فعلى هذا لا يصح قول من يقول منهم لزيد مثلا : إنك تتزوج أو تشترى فرسا ، أو تقتل عدوا أو تسافر إلى بلد ونحو ذلك ، وهو أكثر ما يقولونه ويحكمون به . وأما الأمور الكلية الحادثة لا بإرادة الحيوان واختياره ، فقد يكون لكلامهم فيه وجه من الطريق التي ذكرها ، وهي تعلق كثير من الاحداث بحركة الشمس والقمر ، إلا أن المعلوم ضرورة من دين رسول الله صلى الله عليه وآله إبطال حكم النجوم وتحريم الاعتقاد بها والنهى والزجر عن تصديق المنجمين ، وهذا معنى قول أمير المؤمنين في هذا الفصل : ( فمن صدقك بهذا فقد كذب القرآن ، واستغنى عن الاستعانة بالله ) . ثم أردف