ابن أبي الحديد

194

شرح نهج البلاغة

إجابته ، فإن العطية على قدر النية ، وربما أخرت عنك الإجابة ، ليكون ذلك أعظم لأجر السائل ، وأجزل لعطاء الامل ، وربما سألت الشئ فلا تؤتاه ، وأوتيت خيرا منه ، أو صرف عنك بما هو لك خير . واعلم أنه رب أمر قد طلبت ، فيه هلاك دينك لو أوتيته . ومن الدعاء المرفوع : اللهم من أراد بنا سوءا فأحط به ذلك السوء كإحاطة القلائد بترائب الولائد ، وأرسخه على هامته كرسوخ السجيل على قمم أصحاب الفيل . سمع عمر رجلا يقول في دعائه : اللهم اجعلني من الأقلين ! فقال : ما أردت بهذا ؟ قال : قول الله عز وجل : ( وما آمن معه إلا قليل ) ( 1 ) ، وقوله تعالى : ( وقليل من عبادي الشكور ) ( 2 ) ، فقال : عليكم من الدعاء بما عرف . قال سعيد بن المسيب : مربى صلة بن أشيم ، فقلت له : ادع لي ، فقال : رغبك الله فيما يبقى ، وزهدك فيما يفنى ، ووهب لك اليقين الذي لا تسكن النفوس إلا إليه ، ولا تعول إلا عليه . كان علي بن عيسى بن ماهان صاحب خراسان ، وفى أيامه عصام بن يوسف الزاهد ، فلقيه في الطريق ، وسلم عليه على ، فأعرض عنه ولم يرد عليه ، فوقف على ، ورفع يديه وأسبل عينيه ، وقال : اللهم إن هذا الرجل يتقرب إليك ببغضي ، وأنا أتقرب إليك بحبة ، فإن كنت غفرت له ببغضي ، فاغفر لي بحبه ، يا كريم ! ثم سار . قال الأصمعي : سمعت أعرابيا يدعو ويقول : اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله ، وإن كان في الأرض فأخرجه ، وإن كان بعيدا فقربه ، وإن كان قريبا فيسره ، وإن كان قليلا فكثرة ، وإن كان كثيرا فبارك لي فيه .

--> ( 1 ) سورة هود 40 ( 2 ) سورة سبأ 13