ابن أبي الحديد
186
شرح نهج البلاغة
من بعد القيامة حمدا لا غاية لحده ، ولا حساب لعده ، ولا مبلغ لأعداده ، ولا انقطاع لآماده ، حمدا يكون وصلة إلى طاعته ، وسببا إلى رضوانه ، وذريعة إلى مغفرته ، وطريقا إلى جنته ، وخفيرا من نقمته ، وأمنا من غضبه ، وظهيرا على طاعته ، وحاجزا عن معصيته ، وعونا على تأدية حقه ووظائفه ، حمدا نسعد به في السعداء من أوليائه ، وننتظم به في نظام الشهداء بسيوف أعدائه . والحمد لله الذي من علينا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله دون الأمم الماضية ، والقرون السالفة ، لقدرته التي لا تعجز عن شئ ، وإن عظم ، ولا يفوتها شئ وإن لطف اللهم فصل على محمد أمينك على وحيك ، ونجيك من خلقك ، وصفيك من عبادك ، إمام الرحمة وقائد الخير ، ومفتاح البركة ، كما نصب لأمرك نفسه ، وعرض فيك للمكروه بدنه ، وكاشف في الدعاء إليك حاسته ، وحارب في رضاك أسرته ، وقطع في نصرة دينك رحمه ، وأقصى الأدنين على عنودهم عنك ، وقرب الأقصين ، على استجابتهم لك ، ووالى فيك الأبعدين ، وعاند فيك الأقربين ، وأدأب ( 1 ) نفسه في تبليغ رسالتك ، وأتعبها في الدعاء إلى ملتك ، وشغلها بالنصح لأهل دعوتك ، وهاجر إلى بلاد الغربة ومحل النأى ، عن موطن رحله ، وموضع رجله ، ومسقط رأسه ، ومأنس نفسه ، إرادة منه لإعزاز دينك ، واستنصارا على أهل الكفر بك ، حتى استتب له ما حاول في أعدائك ، واستتم له ما دبر في أوليائك ، فنهد إلى المشركين بك ، مستفتحا بعونك ، ومتقويا على ضعفه بنصرك ، فغزاهم في عقر ديارهم ، وهجم عليهم في بحبوحة قرارهم ، حتى ظهر أمرك ، وعلت كلمتك ، وقد كره المشركون . اللهم فارفعه - بما كدح فيك - إلى الدرجة العليا من جنتك ، حتى لا يساوى في منزلة ، ولا يكافأ في مرتبة ، ولا يوازيه لديك ملك مقرب ، ولا نبي مرسل ، وعرفه في أمته من
--> ( 1 ) ج : ( وأدب ) .