ابن أبي الحديد

177

شرح نهج البلاغة

ويجوز أيضا أن يكون في الدعاء نفسه مصلحة ولطف للمكلف ، لقد حسن منا الاستغفار للمؤمنين ، والصلاة على الأنبياء والملائكة . وأيضا فليس كل أفعال الباري سبحانه واجبة عليه ، بل معظمها ما يصدر على وجه الاحسان والتفضل ، فيجوز أن يفعله ، ويجوز ألا يفعله . فإن قلت : فهل يسمى فعل الواجب الذي لا بد للقديم تعالى من فعله ! إجابة لدعاء المكلف ؟ قلت : لا ، وإنما يسمى إجابة إذا فعل سبحانه ما يجوز أن يفعله ، ويجوز ألا يفعله كالتفضل . وأيضا فإن اللطف والمصلحة قد يكون لطفا ومصلحة في كل حال ، وقد يكون لطفا عند الدعاء ، ولولا الدعاء لم يكن لطفا ، وليس بممتنع في القسم الثاني أن يسمى إجابة للدعاء ، لان للدعاء على كل حال تأثيرا في فعله . فإن قيل : أيجوز أن يدعو النبي صلى الله عليه وآله بدعاء فلا يستجاب له ؟ قيل : إن من شرط حسن الدعاء أن يعلم الداعي حسن ما طلبه بالدعاء ، وإنما يعلم حسنه ، بألا يكون فيه وجه قبح ظاهر ، وما غاب عنه من وجوه القبح ، نحو كونه مفسدة يجب أن يشترطه في دعائه ، ويطلب ما يطلبه بشرط ألا يكون مفسدة . وإن لم يظهر هذا الشرط في دعائه وجب أن يضمره في نفسه ، فمتى سأل النبي ربه تعالى أمرا فلم يفعله لم يجز أن يقال : إنه ما أجيبت دعوته ، لأنه يكون قد سأل بشرط ألا يكون مفسدة ، فإذا لم يقع ما يطلبه ، فلان المطلوب قد علم الله فيه من المفسدة ما لم يعلمه النبي صلى الله عليه وآله ، فلا يقال : إنه ما أجيب دعاؤه ، لان دعاءه كان مشروطا ، وإنما يصدق قولنا ما أجيب دعاؤه على من طلب أمرا طلبا مطلقا غير مشروط فلم يقع ، والنبي صلى الله عليه وآله لا يتحقق ذلك في حقه .

--> ( 1 ) ا : ( غاية ) .