ابن أبي الحديد
139
شرح نهج البلاغة
الشرح : دحوت الرغيف دحوا : بسطته ، والمدحوات هنا : الأرضون . فإن قلت : قد ثبت أن الأرض كرية ، فكيف تكون بسيطة ، والبسيط هو المسطح ، والكري ، لا يكون مسطحا ؟ قلت : الأرض بجملتها شكل كرة وذلك لا يمنع أن تكون كل قطعة منها مبسوطة تصلح لان تكون مستقرا ومجالا للبشر وغيرهم من الحيوان ، فإن المراد بانبساطها هاهنا ليس هو السطح الحقيقي الذي لا يوجد في الكرة ، بل كون كل قطعة منها صالحة لان يتصرف عليها الحيوان ، لا يعنى به غير ذلك . وداحي المدحوات ، ينتصب لأنه منادى مضاف ، تقديره : يا باسط الأرضين المبسوطات . قوله : ( وداعم المسموكات ) ، أي حافظ السماوات المرفوعات ، دعمت الشئ إذا حفظته من الهوى بدعامة ، والمسموك : المرفوع ، قال : إن الذي سمك السماء بنى لنا * بيتا دعائمه أعز وأطول ( 1 ) ويجوز أن يكون عنى بكونها مسموكة كونها ثخينة . وسمك الجسم هو البعد الذي يعبر عنه المتكلمون بالعمق وهو قسيم الطول والعرض ، ولا شئ أعظم ثخنا من الأفلاك . فإن قلت : كيف قال : إنه تعالى دعم السماوات وهي بغير عمد ؟ قلت : إذا كان حافظا لها من الهوى بقدرته وقوته فقد صدق عليه كونه داعما لها ، لان قوته الحافظة تجرى مجرى الدعامة . قوله : ( وجابل القلوب ) أي خالقها ، والجبل الخلق ، وجبلة الانسان : خلقته . وفطراتها : بكسر الفاء وفتح الطاء . جمع فطرة ، ويجوز كسر الطاء ، كما قالوا في سدرة : سدرات وسدرات ، والفطرة : الحالة التي يفطر الله عليها الانسان ، أي يخلقه عليها خاليا من الآراء
--> ( 1 ) البيت مطلع قصيرة للفرزدق ، ديوانه 714