ابن أبي الحديد
131
شرح نهج البلاغة
رأسه ، كان يدعو ويتضرع إلى الله في تعجيل الظفر بالمخدج ، وحيث يطرق كان يغلبه الهم والفكر فيطرق . ثم حين يقول : ( ما كذبت ولا كذبت ) ، كيف ينتظر نزول الوحي ، فإن من نزل عليه الوحي لا يحتاج أن يسند الخبر إلى غيره ، ويقول : ما كذبت فيما أخبرتكم به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ومما طعن به النظام عليه أنه عليه ( 1 ) السلام قال : ( إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وآله فهو كما حدثتكم ، فوالله لان أخر من السماء أحب إلى من أن أكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا سمعتموني أحدثكم فيما بيني وبينكم ، فإنما الحرب خدعة ) . قال النظام : هذا يجرى مجرى التدليس في الحديث ، ولو لم يحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله بالمعاريض ، وعلى طريق الإيهام لما اعتذر من ذلك . فنقول في الجواب . إن النظام قد وهم وانعكس عليه مقصد أمير المؤمنين وذلك ، أنه عليه ( 1 ) السلام لشدة ورعه أراد أن يفصل للسامعين بين ما يخبر به عن نفسه ، وبين ما يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك لان الضرورة ربما تدعوه إلى استعماله المعاريض ، لا سيما في الحرب المبنية على الخديعة والرأي ، فقال لهم : كلما أقول لكم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاعلموا أنه سليم من المعاريض ، خال من الرمز والكناية ، لأني لا أستجيز ولا أستحل أن أعمى أو ألغز في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . وما حدثتكم به عن نفسي ، فربما أستعمل فيه المعاريض ، لان الحرب خدعة .
--> ( 1 ) ا ، ج : ( رضي الله عنه ) .