ابن أبي الحديد
128
شرح نهج البلاغة
كالسافلين من بنى عم ، وكالمولاة تموت من غير ولد ولا من يجرى مجراه ، فيرثها مولاها ولا نسب بينها وبينه . ثم أقسم أنه لم يأتهم اختيارا ، ولكن المقادير ساقته إليهم سوقا ، يعنى اضطرارا . وصدق عليه السلام ، لأنه لولا يوم الجمل لم يحتج إلى الخروج من المدينة إلى العراق ، وإنما استنجد بأهل الكوفة على أهل البصرة ، اضطرارا إليهم ، لأنه لم يكن جيشه الحجازي وافيا بأهل البصرة الذين أصفقوا على حربه ونكث بيعته ، ولم يكن خروجه عن المدينة وهي دار الهجرة ومفارقته لقبر رسول الله صلى الله عليه وآله وقبر فاطمة عن إيثار ومحبة ، ولكن الأحوال تحكم وتسوق الناس إلى ما لا يختارونه ابتداء . وقد روى هذا الكلام على وجه آخر : ( ما أتيتكم اختيارا ، ولا جئت إليكم شوقا ) بالشين المعجمة . ثم قال : ( بلغني أنكم تقولون يكذب ) ، وكان كثيرا ما يخبر عن الملاحم والكائنات ويومئ إلى أمور أخبره بها رسول الله صلى الله عليه وآله ، فيقول المنافقون من أصحابه : يكذب كما كان المنافقون الأولون في حياة رسول الله صلى الله وآله يقولون عنه : يكذب . * * * وروى صاحب كتاب الغارات عن الأعمش ، عن رجاله قال : خطب علي عليه السلام ، فقال : والله لو أمرتكم فجمعتم من خياركم مائة ، ثم لو شئت لحدثتكم من غدوة إلى أن تغيب الشمس ، لا أخبرتكم إلا حقا ، ثم لتخرجن فلتزعمن أنى أكذب الناس وأفجرهم . وقد روى صاحب هذا الكتاب وغيره من الرواة أنه قال : إن أمرنا صعب مستصعب ، لا يحمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل ، أو عبد امتحن الله قبله للايمان .