ابن أبي الحديد
66
شرح نهج البلاغة
وفى جوفه من دارم ذو حفيظة * لو أن المنايا أخطأته لياليا فأخذه الرضى فأفسده ولم يحسن تصريفه . قال : فأما أمثلة التعريض فكثيرة ، منها قوله تعالى : ( قال الملا الذين قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك أتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ) ف ( 1 ) ، فقوله : ( ما نراك إلا بشرا مثلنا ) تعريض بأنهم أحق بالنبوة ، وأن الله تعالى لو أراد أن يجعلها في واحد من البشر لجعلها فيهم ، فقالوا : هب أنك واحد من الملا وموازيهم في المنزلة ، فما جعلك أحق بالنبوة منهم ! ألا ترى إلى قوله : ( وما نرى لكم علينا من فضل ) . هذه خلاصة ما ذكره ابن الأثير في هذا الباب . واعلم أنا قد تكلمنا عليه في كثير من هذا الموضع في كتابنا الذي أفردناه للنقض عليه ، وهو الكتاب المسمى ب ( الفلك الدائر على المثل السائر ) فقلنا ( 2 ) أولا : إنه اختار حد الكناية وشرع يبرهن ( 3 ) على التحديد ، والحدود لا يبرهن عليها ، ولا هي من باب الدعاوى التي تحتاج إلى الأدلة ، لان من وضع لفظ الكناية لمفهوم مخصوص ، لا يحتاج إلى دليل ، كمن وضع لفظ الجدار للحائط لا يحتاج إلى دليل . ثم يقال له : لم قلت : إنه لا بد من أن يتردد لفظ الكناية بين محملي حقيقة ومجاز ، ولم لا يتردد بين مجازين ؟ وما استدللت به على ذلك لا معنى له . . . أما أولا ، فلأنك أردت أن تقول : إما أن تكون للفظة الدالة على المجازين شركة في الدلالة على الحقيقة ، أو لا يكون لها في الدلالة على الحقيقة شركة ، لان كلامك هكذا يقتضى ، ولا ينتظم إلا إذا قلت هكذا فلم تقله . وقلت : إما أن يكون للحقيقة شركة في
--> ( 1 ) سورة هود 27 . ( 2 ) الفلك الدائر 170 وما بعدها مع اختلاف في العبارة . ( 3 ) ا ، ج : ( عن ) .