ابن أبي الحديد
60
شرح نهج البلاغة
من باب الكناية ( 1 ) ، والصحيح أنه من باب التعريض . قال : وقد قال الغانمي والعسكري وابن حمدون وغيرهم نحو ذلك ، ومزجوا أحد القسمين بالآخر . قال : وقد حد قوم الكناية فقالوا : هي اللفظ الدال على الشئ بغير الوضع الحقيقي ، بوصف جامع بين الكناية والمكنى عنه ، كاللمس والجماع ، فإن الجماع اسم لموضوع حقيقي ، واللمس كناية عنه ، وبينهما وصف جامع ، إذ الجماع لمس وزيادة ، فكان دالا عليه بالوضع المجازي . قال : وهذا الحد فاسد ، لأنه يجوز أن يكون حدا للتشبيه والمشبه ، فإن التشبيه هو اللفظ الدال على الوضع الحقيقي الجامع بين المشبه والمشبه به في صفة من الأوصاف ، ألا ترى إذا قلنا : زيد أسد ، كان ذلك لفظا دالا على غير الوضع الحقيقي ، بوصف جامع بين زيد والأسد ، وذلك الوصف هو الشجاعة ( 2 ) . قال : وأما ( 3 ) أصحاب أصول الفقه ، فقالوا في حد الكناية : إنها اللفظ المحتمل ، ومعناه أنها اللفظ الذي يحتمل الدلالة على المعنى ، وعلى خلافه . وهذا منقوض بالألفاظ المفردة المشتركة ، وبكثير من الأقوال المركبة المحتملة للشئ وخلافه ، وليست بكنايات . قال : وعندي أن الكنايات لا بد أن يتجاذبها جانبا حقيقة ومجاز ، ومتى أفردت جاز حملها على الجانبين معا ، ألا ترى أن اللمس في قوله سبحانه : ( أو لامستم النساء ) ( 4 )
--> ( 1 ) في المثل السائر : ( وهذا مثل ضربه للكناية عن المباضعة ) . ( 2 ) في المثل السائر بعدها : ( ومن هنا وقع الغلط لمن أشرت إليه في الذي ذكرته في هذه الكناية ) . ( 3 ) المثل السائر : ( علماء ) . ( 4 ) سورة النساء آية : 43 .