ابن أبي الحديد
156
شرح نهج البلاغة
الخطابة ، كان ظاهرا ، لان الناس يستحقرون القليل لقلته ، ويستعظمون الكثير لكثرته ، قال الشاعر : تجمعتم من كل أوب ووجهة على واحد لا زلتمو قرن واحد وأما قوله : ( وكل عزيز غيره ذليل ) فهو حق ، لان غيره من الملوك وإن كان عزيزا فهو ذليل في قبضة القضاء والقدر ، وهذا هو تفسير قوله : ( وكل قوى غيره ضعيف ، وكل مالك غيره مملوك ) . وأما قوله : ( وكل عالم غيره متعلم ) فهو حق ، لأنه سبحانه مفيض العلوم على النفوس ، فهو المعلم الأول ، جلت قدرته وأما قوله : ( وكل قادر غيره يقدر ويعجز ) فهو حق ، لأنه تعالى قادر لذاته ، ويستحيل عليه العجز ، وغيره قادر لأمر خارج عن ذاته ، إما لقدرة ، كما قاله قوم ، أو لبنية وتركيب كما قاله قوم آخرون ، والعجز على من عداه غير ممتنع ، وعليه مستحيل . وأما قوله عليه السلام : ( وكل سميع غيره يصم عن لطيف الأصوات ، ويصمه كبيرها ويذهب عنه ما بعد منها ) فحق ، لان كل ذي سمع من الأجسام يضعف سمعه عن إدراك خفى الأصوات ، ويتأثر من شديدها وقويها ، لأنه يسمع ( 1 ) بآلة جسمانية والآلة الجسمانية ذات قوة متناهية واقفة عند حد محدود ، والباري تعالى بخلاف ذلك . واعلم أن أصحابنا اختلفوا في كونه تعالى مدركا للمسموعات والمبصرات ، فقال شيخنا أبو علي وأبو هاشم وأصحابهما : إن كونه مدركا صفة زائدة على كونه عالما ، وقالا : إنا نصف الباري تعالى فيما لم يزل بأنه سميع بصير ، ولا نصفه بأنه سامع مبصر ، ومعنى كونه سامعا مبصرا أنه مدرك للمسموعات والمبصرات .
--> ( 1 ) ب : ( لا يسمع ) ، تحريف .