ابن أبي الحديد
117
شرح نهج البلاغة
يا أهل المدينة ، إنه لا تغنى عنكم صحة أبدانكم إذا سقمت قلوبكم ، قد جعل الله لكل شئ سببا ، غالبا عليه لينقاد إليه مطيع أمره ، فجعل القلوب غالبة على الأبدان ، فإذا مالت القلوب ميلا كانت الأبدان لها تبعا ، وإن القلوب لا تلين لأهلها إلا بصحتها ، ولا يصححها إلا المعرفة بالله ، وقوة النية ونفاذ البصيرة ، ولو استشعرت تقوى الله قلوبكم ، لاستعملت في طاعة الله أبدانكم . يا أهل المدينة ، داركم دار الهجرة ومثوى الرسول صلى الله عليه وسلم ، لما نبت به داره ، وضاق به قراره ، وآذاه الأعداء وتجهمت له ، فنقله الله إليكم ، بل إلى قوم لعمري لم يكونوا أمثالكم ، متوازرين مع الحق على الباطل ، مختارين الآجل على العاجل ، يصبرون للضراء رجاء ثوابها ، فنصروا الله وجاهدوا في سبيله ، وآزروا ( 1 ) رسوله صلى الله عليه وسلم ، واتبعوا النور الذي أنزل معه ، وآثروا الله على أنفسهم ، ولو كان بهم خصاصة فقال الله تعالى لهم ولأمثالهم ، ولمن اهتدى بهديهم : ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) . وأنتم أبناؤهم ومن بقي من خلفهم ، تتركون أن تقتدوا بهم ، أو تأخذوا بسنتهم ، عمى القلوب صم الآذان ، اتبعتم الهوى فأرداكم عن الهدى ، وأسهاكم ( 2 عن مواعظ القرآن ، لا تزجركم 2 ) فتنزجرون ، ولا تعظكم فتتعظون ، ولا توقظكم فتستيقظون ، لبئس الخلف أنتم من قوم مضوا قبلكم ! ما سرتم سيرتهم ، ولا حفظتم وصيتهم ، ولا احتذيتم مثالهم ، لو شقت عنهم قبورهم فعرضت عليهم أعمالكم لعجبوا كيف صرف العذاب عنكم ! ألا ترون إلى خلافة الله ، وإمامة المسلمين كيف أضيعت ، حتى تداولها بنو مروان ، أهل بيت اللعنة ، وطرداء رسول الله ، وقوم [ من ] ( 3 ) الطلقاء ، ليسوا من المهاجرين ولا الأنصار ولا التابعين بإحسان ! فأكلوا مال الله أكلا ، وتلعبوا بدين الله لعبا ، واتخذوا عباد الله عبيدا ، يورث الأكبر منهم ذلك الأصغر ، فيالها
--> ( 1 ) الأغاني : ( وآووا ) . ( 2 - 2 ) الأغاني : ( وأسهاكم ، فلا مواعظ القرآن تزجركم ) . ( 3 ) من ج .